رمضان على الأبواب، شهر الرحمة والتكافل، فيما يقف المواطن اليمني أمام واقعه المعيشي القاسي مثقلاً بالجوع والفقر وانقطاع الرواتب وغياب الخدمات. وكان يُفترض أن تنصرف السلطة والنخب السياسية إلى تخفيف معاناة الناس وتجعل همها الاكبر تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لمواطنيهم ، لكن ما نراه اليوم في دهاليز الشرعية اليمنية في الخارج مشهد سياسي منفصل تمامًا عن هذا الواقع؛ صراع على المناصب ومساومات على الحقائب، وكأن الوطن يعيش في بحبوحة لا في مأساة.
الوطن يقف على حافة الانهيار، الأرض تئن تحت وطأة الحرب والاقتصاد المنهار، بينما تنشغل الأحزاب والمكونات السياسية بما اعتادته منذ سنوات: اقتسام الكراسي لا إنقاذ الدولة. حوّلوا الوظيفة العامة من تكليف وطني إلى وسيلة تسلّط، وحوّلوا الدولة إلى إقطاعية خاصة تُدار لخدمة المصالح الحزبية والشخصية.
أي بعد هذا عن واقع الناس؟
وأي خواء أخلاقي يسمح لنخب تدّعي الوطنية أن تتعامل مع معاناة شعب بأكمله بهذا القدر من البرود والسذاجة والأنانية؟
لقد أثقلت المحاصصة كاهل الحكومات السابقة، وشلّت مؤسسات الدولة، وقيّدت القرار الوطني بقيود التوازنات الحزبية. ومع ذلك، لم تتعلّم هذه الأحزاب من فشلها، ولم تخجل وتستحي من إعادة إنتاجه، وكأن اليمن لم يُستنزف، وكأن المواطن لم يصل إلى حافة العدم.
فلنكن صريحين:
ماذا عملتم؟ ماذا أنجزتم؟
ما الذي تغيّر في حياة المواطن خلال سنوات مشاركتكم في الحكم؟
الإجابة التي يعرفها الجميع، وبكل أسف، هي: لا شيء يُذكر.
في المقابل، تمدد العدو الحوثي وبسط نفوذه، واحتل الشمال، وقتل أهله، واختطف العاصمة صنعاء، وسيطر على موارد الدولة. منع تصدير النفط، عبث بالاقتصاد، تحكّم بالأجواء والموانئ، وتجرأ على الشرعية ذاتها حتى وصل به الغرور إلى تهديد الطيران المدني وقصف مطار عدن، ومؤخرا إغلاق مطار المخا، في مشهد يُجسّد انهيار هيبة الدولة أمام جماعة مسلحة ذات مشروع إيراني دخيل.
فأين هي الأحزاب والقوى السياسية؟
الجواب: لا تزال منشغلة بحصصها، تتفاوض وتتصارع على عدد الوزراء والمناصب السيادية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: إذا كنتم عاجزين اليوم عن الاتفاق على تشكيل حكومة، فكيف سيكون أداؤكم غدًا في إدارة الدولة؟ إذا كنتم تختلفون قبل تحمّل المسؤولية، فكيف ستتوافقون عند اتخاذ القرارات المصيرية؟
اليوم يتكرر المشهد ذاته مع الحكومة الجديدة: صراع على الكراسي قبل البرامج، وعلى الأسماء قبل الرؤى، وعلى المكاسب قبل الواجبات. حكومة لم تولد بعد لكنها مثقلة بالخلافات، ومحاطة بشكوك مشروعة حول قدرتها على الفعل.
ومن حق الشعب أن يسأل:
ماذا ستعمل هذه الحكومة القادمة؟
كيف ستواجه الحوثي وأنتم لم تحسموا خلافاتكم؟
كيف ستخففون معاناة الناس في رمضان وما بعده وأنتم لم تتفقوا حتى على أبجديات العمل المشترك؟
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس الكهنوت الحوثي وحده، بل هذا الإفلاس السياسي وهذه النخب الغافلة التي فقدت الإحساس بحجم المأساة، وتصرّ على إدارة الدولة بعقلية الغنيمة لا المسؤولية.
اليمن لا يحتاج حكومة محاصصة جديدة، ولا نخبًا تجيد الخطابة وتفشل في الإنجاز، بل يحتاج رجال دولة أكفاء شجعان يضعون الوطن فوق الحزب، ومصلحة الشعب فوق الكراسي، والمعركة الوطنية فوق كل الحسابات الضيقة.
وما لم يحدث ذلك،
سيستمر تبدّل الحكومات…
ويبقى الفشل واحدًا،
ويبقى المواطن اليمني شمالًا وجنوبًا وحده من يدفع الثمن.
>
