أنس الخليدي

أنس الخليدي

تابعنى على

الخليج والحوثيون.. من أزمة يمنية إلى معضلة إقليمية

Saturday 13 June 2026 الساعة 09:33 pm

الأحداث الأخيرة تكشف أت الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من الصراع، مرحلة لم تعد تقاس فيها القوة أبذًا بعدد الطائرات والصواريخ بقدر ما تقاس بالقدرة على تهديد البنية الاستراتيجية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل تجاوزت حدود الردع التقليدي واتجهت مؤخرًا بشكل مباشر نحو استهداف مراكز الثقل الجيوسياسي الممتدة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.

التطورات كذلك تكشف أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى الحوثي باعتباره مجرد جماعة متمردة داخل اليمن بل متغير استراتيجي قادر على التأثير في أمن الممرات البحرية والطاقة والتوازنات الإقليمية، فمع كل جولة تصعيد بين إيران وخصومها يزداد حضور الحوثيين كأداة ضغط تتجاوز حدود اليمن إلى المجال الحيوي الخليجي بأكمله.

المسألة بالنسبة لدول الخليج لا تتعلق فقط بالقدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيين بل بطبيعة الدور الذي يؤدونه اليوم داخل معادلة الردع الإقليمية، فالجماعة أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تهديد خطوط الملاحة واستهداف البنية التحتية للطاقة وإدخال البحر الأحمر وباب المندب في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، وهذا يعني أن أي التصعيد المستقبلي لن يقاس بحجم الخسائر المباشرة فقط بل بحجم الاضطراب الذي يمكن أن يصيب الاقتصاد وسلاسل الإمداد وحركة التجارة. 

غير أن التحدي الأهم بالنسبة لدول الخليج لا يكمن في قدرة الحوثيين على إحداث اضطراب مؤقت في الأمن الإقليمي أو حركة التجارة فحسب بل في احتمال تحول هذه القدرة مع مرور الوقت إلى نفوذ جيوسياسي مستدام يمنح الجماعة موقع دائم داخل معادلات القوة الإقليمية وهو ما يرفع من حساسية التعامل مع الملف من كونه أزمة أمنية قابلة للاحتواء إلى قضية ترتبط مباشرة بمستقبل التوازنات الإقليمية.

ومن منظور استراتيجي أوسع، تواجه اليوم دول الخليج معضلة مركبة ومعقدة جدًا، فهي لا تريد عودة الحرب الشاملة في اليمن، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أبدًا القبول بترسيخ واقع يتحول فيه الحوثيين إلى قوة إقليمية مستقرة تمتلك حق التأثير في أمن المنطقة من خارج حدود إطار الدولة اليمنية، فمثل هذا الواقع سيؤسس لسابقة خطيرة تجعل النفوذ العسكري للمليشيات جزء دائم من توازنات المنطقة، ولهذا يبدو بشكل واضح أن المرحلة الحالية أقل ارتباط بالمواجهة العسكرية المباشرة وأكثر ارتباط بإعادة رسم قواعد النفوذ، والسؤال الذي يشغل عواصم الخليج اليوم ليس كيف يمكن هزيمة الحوثيين عسكريًا بل كيف يمكن منع تحولهم إلى حقيقة جيوسياسية دائمة تفرض نفسها على معادلات الأمن الإقليمي لعقود قادمة.

من صفحة الكاتب على إكس