د. صادق القاضيد. صادق القاضي

لماذا.. وكيف.. ومتى.. مات "الحزب الاشتراكي اليمني"؟!

مقالات

2020-03-11 18:52:06

يقول بعضهم: لأنه "حزب سلطة"، مات بعد خروجه منها، إثر حرب صيف 1994.. لكن هذا غير صحيح، بدليل أن أقوى وأفضل وأنبل معارضة في تاريخ اليمن الموحد، هي تلك التي تصدرها الحزب الاشتراكي اليمني لسنوات طويلة بعد تلك الحرب.

صحيح. بخسارته للسلطة، خسر الكثير، لكنه لم يخسر ثقته بنفسه، وشعبيته، وظل محتفظا بحيويته وروحه الوثابة وصولاً إلى قراره الطموح بخوض الانتخابات الرئاسية 1999، بمرشحه وقائده الهمام الزعيم علي صالح عباد.

كانت العقبة الصغيرة الكبيرة يومها، أن أصوات الكتلة البرلمانية للحزب أقل بقليل من نصاب التزكية التي يحتاجها المرشح، وراهن بعضهم على عدة أصوات من كتلة "حزب الإصلاح"، الذي كان حينها، كعادته، يضع رجلا في السلطة وأخرى في المعارضة.

لكن حزب الإصلاح في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، لم يخذل المعارضة فقط، بل سبق المؤتمر الشعبي الحاكم بإعلان الرئيس صالح مرشحه للرئاسة.!

ومع ذلك. لم يمت الحزب الاشتراكي هذه المرة أيضاً، ولم ينكسر، وعلى العكس، أصبح أقوى، بل وانتقل بالمعارضة اليمنية هذا العام إلى ذروة قوتها ومجدها، بتشكيل ما "كان" يُعرف بـ"مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة".

كان هذا التكتل هو الأمل الكبير للحياة السياسية في اليمن بمعارضة وطنية مدنية نزيهة شريفة راقية قوية واعدة.. لسببين:
- الأول: أنه يتكون بشكل رئيس من أحزاب وطنية مدنية مستنيرة ذات مرجعيات يسارية، وتوجهات تقدمية.

- الثاني: أنه يخلو من الجماعات الدينية الأصولية الوصولية.. بغض النظر عن الوجود الهامشي لـ"حزب الحق".

لاحقاً، وللمحافظة على مصالحه في السلطة، شعر "حزب الإصلاح" بحاجة ماسة للاستقواء بأحزاب هذا التكتل المعارض الذي شعر هو الآخر بحاجة ربما وهمية لوقوف حزب كبير مثل هذا الحزب إلى جانبه.. وبدأ الغزل المتبادل بين الطرفين.

بطبيعتها لم تكن هذه الجماعة الدينية لتنسجم مع معارضة محكومة بالقوى والقيم المدنية، أو لتقبل الانخراط في تكتل سياسي يخدم المعارضة المدنية واليسار.

بدلاً من ذلك، أي الانضمام إلى التكتل اليساري، عملت هذه الجماعة على ضم أحزاب هذا التكتل اليساري إليها، ضمن إطار مختلف محكوم بقيمها ويخدم مصالحها الحصرية.

وهكذا وُلد "اللقاء المشترك". ربما كان الشهيد "جار الله عمر" هو صاحب الفكرة، لكنه بالتأكيد لم يكن ينوي حفر قبر لحزبه، ولا التضحية باليسار والمعارضة المدنية على مذبح جماعة الإخوان المسلمين.

لكن، للأسف، هذا ما حدث. تنازلت الأحزاب اليسارية عن تكتلها المدني لصالح جماعة دينية، ثمّ بالتدريج تنازلت لها عن شخصياتها وقضاياها وإراداتها وشعبياتها.. وحتى كرامتها وجدواها وقيمتها الوجودية.!

بهذه التراجيديا المؤسفة ماتت الأحزاب اليسارية في اليمن، وبالمناسبة كان بإمكانها الانبعاث مجددا في كثير من المحطات اللاحقة، بعد أن تغير كل شيء في الحياة السياسية، بما فيها الملابسات الظرفية التي بررت تشكيل اللقاء المشترك.

لكنها رفضت وما زالت مترددة، وبالذات الحزب الاشتراكي اليمني، وفي كل حال لم يمت هذا الحزب العظيم لأسباب خارجة عن إرادته، بل بسبب قرار إرادي، اتخذه وهو بكامل قواه العقلية، وعن سبق إصرار وترصد. وهو الانتحار في 6 فبراير/شباط 2003م.

-->