د. فاروق ثابت

د. فاروق ثابت

الإسلام ليس دين جباية

السبت 16 أكتوبر 2021 الساعة 04:21 م

يكرس الحوثيون تحويل الرسول، محمد صلى الله عليه وسلم، من نبي الأمة الخاتم إلى شركة جباية واستثمار خاص بهم، وبالمقابل يسعون لتصوير رجل كهفهم بالنبي الهادي من الشورى والمساواة إلى كهنوت الأسرية السلالية مع خداع الناس بتصوير الأخيرة بالنور والأولى بالظلام.

وهو الأمر الذي يتعارض مع الهدف السامي والمنطقي لكافة الديانات السماوية وليس للإسلام فحسب، من حيث أن الدين والرسول مشروع تغيير وحياة وعدل ومساواة للناس كافة وليس دكان ربح وابتزاز وامتصاص دماء وعرق الكادحين. 

وهذا الأمر الذي تأسست عليه الحركة أو أي حركة سلالية مثيلة يسيء للدين الإسلامي، ثم يستهدف نبي الإسلام بالدرجة الأولى على أنه مبعوث سلالة، جاء لأجل مكاسب أسرة معينة بمقابل استعباد الناس، وليس رسول المحبة والسلام والأخوة وقد قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". 

أرسل الله الرسل وكانوا معوزين وفقراء ورعاة أغنام، فموسى ظل يعمل عشر سنوات أجرتها مهر زوجته، فيما كان الرسول محمد يتيماً معوزاً ويرعى الأغنام في وديان وتخوم مكة، والحكمة باختيار مثل هؤلاء أنهم أتوا من بيئة صبر ومعاناة جاءت من عمق  آلام الناس ومعاناتهم، لذلك فقد كانت الرسالة الأولى والأخيرة لهم هي المساواة بين البشر أمام الخالق.

وإن كانت رسالة الإسلام مثلا غرضها تقديس سلالة بني هاشم وتعظيمهم عن سائر المسلمين، فملة قريش كانت أنفع وأجدى من وجود دين لم يأت بجديد أصلا -وفقاً لمنطقهم- ولا يوجد فيه أي تغيير من ناحية استعلاء قريش ضد بقية الناس سوى أنه أعاد شرعنة استعباد الناس ورفع من قدر بني هاشم وبمنهجية دينية ملزمة. 

إن أسوأ ما أُلحق بالدين الإسلامي هو محاولة تكبيله وتقييده بنظرية الحكم الأسري التي خلطت بين مفهوم الدين كمنظم حياة للبشر وبين ما يسمى بنظرية "الحق في الحكم" أو الحق الإلهي، وقد استحوذت هذه النظرية على مصير الشعوب في كثير من الأقطار الإسلامية لقرون، ولم تنتج أي مشروع للأمة بقدر ما أسالت بحورا من الدماء وبنت الملايين من المقابر وأسست للعنصرية والكراهية أينما وجدت، في وافر من الفقر والبؤس والتخلف، واليمن في صدارة ذلك.  

المعروف أن الأديان أتت لخدمة الإنسان في ظل تعاليم واضحة قائمة على تسيير حياة الفرد والمجتمع بموجب الإطار الأخلاقي والمساواة، وليس العكس، لكن تحويل الإنسان لخدمة أدعياء الدين أو المتمترسين باسم عرق أو سلالة أو طائفة معينة يجافي المنطق ويصنع خللا في مفهوم الدين الذي ينادون به، في حين أن الديانات الإلهية الحقة ليست هي الديانات المصلحية التي يحاولون تكريسها في استعباد عباد الله الأحرار. 

حتى الكنيسة في أوروبا عندما حاولت تكريس الدين الاستعلائي ومنهج العبودية والجباية والاستغلال فشلت وثار المسيحيون ضدها، لأن ما تم تكريسه يجافي ويتنافى مع المنطق، بل ويؤكد أن ذلك من المحال أن يكون هو ما دعا له الرب، وهو ما يشير إلى التحريف وحرف مسار التعاليم الناطقة بالمساواة وحفظ الحقوق، الكارثة التي اصطدمت مع منطق العقل السوي وفكر وحياة الناس.  

الأمر ذاته في حرف مسار الدين الذي تنادي به مليشيا إيران في اليمن، من خلال محاولة فرض دين وتعاليم جديدة تتنافى مع الواقع والقيم الإنسانية والمساواة والعدل والمنطق وهو ما يجعل الفكرة تحمل بذور فنائها بداخلها وإن طالت ومهما استغلت الجهلاء والمتخلفين من حولها.