تراجع النفوذ الحوثي وانقسامات الشرعية.. عام الحسم يحدد مصير اليمن
تقارير - Tuesday 06 January 2026 الساعة 10:12 am
عدن، نيوزيمن، خاص:
عام 2026 لن يُذكر مستقبلاً كرقم جديد في تقويم الحرب اليمنية الطويلة، بل سيُنظر إليه باعتباره “عام الحسم” الذي سيحدد مصير اليمن؛ إما بإعادة بناء الدولة عبر عملية سياسية شاملة، أو السقوط في هاوية التفكك النهائي، خاصة مع تشابك الانقسامات الداخلية وتقلبات الإرادات الإقليمية وتصاعد هواجس المجتمع الدولي.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد الصالحين الهوني، رئيس تحرير جريدة العرب اللندنية، أن "اليمن يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة أطرافه المختلفة على تجاوز المصالح الضيقة، فإما أن تتوحد القوى الوطنية لإنقاذ الدولة أو سيصبح الانقسام العميق أمرًا لا يمكن تجاوزه". ويضيف الهوني: "المجتمع الدولي يركز على حماية خطوط الملاحة والممرات البحرية، لكنه يغفل البعد السياسي والإنساني الذي يشكل جوهر الأزمة في البلاد".
تراجع نفوذ جماعة الحوثي يُشكل أحد أبرز المتغيرات الجيوسياسية التي تغذي توقعات "عام الحسم" هذا. بعد سنوات من الصراع والتمدد العسكري والسياسي، بدأت تظهر على الجسد الحوثي علامات إعياء عميقة، حيث لم تعد القدرات العسكرية للجماعة تحتفظ بزخمها السابق نتيجة استنزافها في المواجهات المباشرة مع التحالف العربي، ومواجهاتها الداخلية مع خصوم محليين، وصعوبات إدارة أراضٍ شاسعة تحت حصار اقتصادي خانق. كما أن أزمة السيولة المالية تحد من قدرة الجماعة على تلبية الاحتياجات الاقتصادية للمناطق الواقعة تحت سيطرتها، وهو ما يتزامن مع تفاقم المعاناة الإنسانية للسكان.
ويشير الهوني في هذا الإطار إلى أن "الحوثيين لم يعودوا القوة التوسعية التي كانت تهدد استقرار اليمن الإقليمي، بل تحوّلوا إلى قوة دفاعية تبحث عن أوراق تفاوضية قوية وتعمل على الحفاظ على مكتسباتها، لكن التصدعات الداخلية قد تجعل أي اتفاق مستقبلي هشًا إذا لم يُدعم بإرادة سياسية حقيقية".
الأكثر تأثيرًا هو تصدع الواجهة الداخلية، حيث تتصاعد حدة الانقسامات بين التيارات والأجنحة داخل الجماعة نفسها، بين من يرى المستقبل في مزيد من التصلب والتصعيد الخارجي، ومن يدرك ضرورة البحث عن مخرج سياسي يحفظ مكاسب السنوات الماضية. هذا الوهن المتزايد لا يعني زوال التهديد الحوثي، ولكنه يغير طبيعته من قوة توسعية قادرة على تحقيق انتصارات ميدانية، إلى قوة دفاعية تركز على الحفاظ على مكتسباتها والتفاوض على مصالحها.
على الطرف الآخر، لا تبدو الحكومة اليمنية "الشرعية" في وضع أفضل، إذ تحولت إلى كيان رمزي يفتقر إلى الفاعلية الحقيقية، وانتقل مركز الثقل والقرار الفعلي إلى قوى فصائلية متنافسة تتحكم في الأراضي والموارد. ويضيف الهوني: "الشرعية تواجه أزمة مصداقية كبيرة، فالناس لم تعد تثق بقدرتها على تقديم الأمن أو الخدمات الأساسية، وهذا الفراغ يجعل من فكرة إعادة بناء الدولة مهمة شبه مستحيلة بدون قيادة موحدة وإرادة وطنية حقيقية".
تصعيد الهجمات الحوثية على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب نقل الأزمة اليمنية من تصنيف النزاعات الإقليمية المأساوية إلى قائمة التهديدات المباشرة للأمن الاقتصادي والعسكري العالمي. لم تعد المسألة تتعلق فقط بالصراع على السلطة، بل باتت مرتبطة بأمن إمدادات الطاقة والتجارة العالمية واستقرار الأسعار في الأسواق الدولية. يرى الهوني أن "التركيز الدولي على الجانب الأمني والاقتصادي يحوّل اليمن إلى ساحة منافسة للقوى الكبرى، لكنه يغفل معاناة ملايين اليمنيين ويهدد فرص الحل السياسي المحلي، مما يزيد احتمالات التصعيد المستمر".
وسط هذه التحولات، يظل البعد الإنساني الأكثر إلحاحًا، حيث تشير التقديرات إلى سقوط أكثر من 1300 قتيل نتيجة المعارك المستمرة خلال عام 2026، إلى جانب اقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة وخدمات صحية وتعليمية شبه معدومة. ويقول الهوني: "الشعب اليمني يصل إلى حافة اليأس، وغضبه المكبوت قد ينفجر في احتجاجات شعبية عارمة أو انفجارات أمنية محلية، وهو ما قد يعيد رسم المشهد السياسي والأمني على الأرض بشكل مفاجئ".
في مثل هذا الوضع، تتقلص السيناريوهات إلى احتمالين رئيسيين. السيناريو الأول، الأكثر تفاؤلًا لكنه الأكثر صعوبة، يتمثل في إعادة بناء الدولة عبر توافق سياسي شامل، يشمل جمع الفصائل على طاولة واحدة لإعداد اتفاق كامل حول تقاسم السلطة والموارد، ونزع السلاح ودمج المقاتلين، مع دعم مالي وسياسي من المجتمع الدولي، وإرادة صادقة من النخب اليمنية لتقديم مصلحة البلاد على المصالح الحزبية والمناطقية. ويؤكد الهوني: "نجاح هذا السيناريو يتطلب تجاوز الخلافات الإقليمية والداخلية، وإظهار قدرة حقيقية على التوافق على رؤية مشتركة للدولة المقبلة، وإلا ستبقى العملية السياسية مجرد حلم بعيد المنال".
أما السيناريو الثاني، الأكثر قتامة، فيتمثل في استمرار حالة التفكك والانهيار، حيث يتحول اليمن إلى كانتونات منفصلة تحكمها قوى محلية متصارعة، مع استمرار تدخل القوى الإقليمية والدولية لضمان مصالحها، واستمرار الحروب المتفرقة منخفضة الحدة، وزيادة تهديد الممرات البحرية وانتشار الإرهاب، وتفاقم الكارثة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. ويختتم الهوني تحليله قائلاً: "إذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل، فاليمن سيظل فريسة لصراعات خارجية وداخلية، ولن يكون هناك حل مستدام إلا من خلال إرادة وطنية صادقة وتوافق شامل بين جميع الأطراف".
>
