تعبئة وتجنيـد وانتشار أمني.. الحوثيون يستعدون لسيناريوهات ما بعد إيران
السياسية - منذ ساعة و 53 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تصعيدًا عسكريًا وأمنيًا لافتًا، ينذر بمرحلة جديدة من التوتر في المشهد اليمني الهش، في ظل مؤشرات متزايدة على استعداد الجماعة لجولة صراع محتملة، سواء على الجبهات الداخلية مع القوات الحكومية أو ضمن حسابات إقليمية أوسع مرتبطة بتطورات الملف الإيراني.
هذا التصعيد يأتي متزامنًا مع حالة اضطراب غير مسبوقة تعيشها طهران، على وقع احتجاجات داخلية متصاعدة، وضغوط وعقوبات أمريكية متزايدة، وتهديدات متكررة بتوجيه ضربات “محسوبة” تطال بنية النظام الإيراني، وفق ما أوردته تقارير دولية حديثة .
وبحسب مصادر سياسية يمنية، فإن ميليشيا الحوثي كثّفت خلال الأسابيع الأخيرة من هجماتها العسكرية على مواقع القوات الحكومية في عدد من المحاور والجبهات، في خروقات اعتُبرت الأوسع منذ أشهر، ترافقت مع عودة لافتة لعمليات التعبئة العامة والتحشيد والتجنيد الإجباري في صفوف المدنيين، لا سيما في المحافظات الخاضعة لسيطرتها شمال البلاد.
وتُشير هذه التحركات، وفق المصادر ذاتها، إلى استعدادات عملية لخوض مواجهة قادمة، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى رفع جاهزيتها العسكرية وتعويض أي تراجع محتمل في الدعم الخارجي.
في العاصمة صنعاء، بدت هذه الاستعدادات أكثر وضوحًا من خلال إجراءات أمنية غير مسبوقة، شملت استحداث عشرات الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش المفاجئة، وانتشارًا مكثفًا للآليات العسكرية والعناصر المسلحة التابعة لتشكيلات أمنية متعددة. وذكرت المصادر أن هذه التحركات وُصفت داخل الأوساط المحلية بأنها مفاجئة وغير مبررة من حيث التوقيت، خاصة أنها جاءت دون أي إعلان رسمي يوضح دوافعها أو أهدافها، ما عزز حالة القلق والريبة بين السكان.
وأضافت المصادر أن الميليشيا نفذت حملات تدقيق واسعة وعشوائية في هويات المواطنين، إلى جانب تفتيش المركبات في الشوارع الرئيسية ومداخل الأحياء، بالتوازي مع فرض طوق أمني مشدد على عدد من المناطق في شمال غرب صنعاء، وهي مناطق تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نطاق سكني مفضل لعدد من قيادات الجماعة السياسية والأمنية والعسكرية.
ورجحت المصادر أن تكون هذه الخطوات مرتبطة بإعادة نشر مراكز قيادة وسيطرة سرية، في إطار استعدادات أمنية داخلية لمواجهة أي تطورات طارئة أو اختراقات محتملة.
ويتزامن هذا الاستنفار الداخلي مع تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة من تداعيات المشهد الإيراني، لا سيما مع تزايد الحديث الدولي عن إمكانية تدخل أمريكي أو إسرائيلي لدعم الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في المدن الإيرانية. وفي هذا السياق، انعكس هذا القلق بوضوح في خطاب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الذي وجه في أحدث ظهور له اتهامات مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى زعزعة استقرار إيران عبر ما وصفه بتغذية الفوضى واستثمار العقوبات والحصار، معتبرًا أن تلك المساعي فشلت أمام ما سماه وعي الشعب الإيراني وتمسكه بالنظام، في خطاب رأى فيه مراقبون محاولة لشد العصب الأيديولوجي وطمأنة قواعد الجماعة في لحظة إقليمية مضطربة.
ويرى محللون سياسيون أن تصاعد الاحتقان داخل إيران، إلى جانب الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها، قد يحدّ بشكل كبير من قدرتها على مواصلة دعم وكلائها الإقليميين، وعلى رأسهم ميليشيا الحوثي، التي تُعد أحد أبرز أذرع طهران في المنطقة. ويشير هؤلاء إلى أن الجماعة تقف اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، إذ إن أي اهتزاز جوهري في مركز القرار الإيراني سينعكس تلقائيًا على توازناتها الداخلية وقدرتها على إدارة الصراع في اليمن، وهو ما يفسر حالة القلق والاستنفار الأمني المكثف في مناطق سيطرتها .
وأوضح الكاتب والمحلل السياسي عبدالسلام قاسم مسعد أن جماعة الحوثي تعيش حاليًا ما وصفه بـ"لحظة انكشاف استراتيجي"، في ظل احتمالات جدية لتراجع أو انهيار النظام الإيراني، الذي شكّل الداعم السياسي والعسكري والمالي الأبرز للجماعة منذ نشأتها. وقال مسعد إن فقدان هذا الغطاء سيحوّل الحوثيين من ذراع إقليمية فاعلة إلى سلطة محلية معزولة، مضطرة لإعادة تعريف دورها ووظيفتها في معادلة إقليمية جديدة.
كما أن البنية الداخلية للميليشيا تجعلها أكثر عرضة للتصدعات في حال تراجع الدعم الإيراني، نظرًا لكونها تضم جناحًا عقائديًا شديد الارتباط بطهران، إلى جانب جناح قبلي براغماتي تحكمه حسابات المصالح، فضلًا عن فئات انتهازية التحقت بالمشروع الحوثي باعتباره مسارًا للنفوذ والغنيمة. ومع تصاعد الضغوط الدولية على إيران، بما في ذلك العقوبات الأمريكية التي استهدفت شبكات تمويل مرتبطة بالحوثيين، تتزايد المخاوف من أزمة تمويل خانقة قد تواجهها الجماعة في حال فقدت الممول والشريك الاستراتيجي الأهم .
وتؤكد تقارير دولية أن الحوثيين يعتمدون في تمويل أنشطتهم العسكرية والتنظيمية على مصادر متعددة، من بينها الدعم الإيراني المباشر وغير المباشر، إضافة إلى شبكات تهريب وتجارة غير مشروعة وغسيل أموال، إلا أن هذه الشبكات تعرضت لضربات متتالية بفعل العقوبات الدولية، ما يجعل أي انهيار أو تراجع حاد في الدور الإيراني عاملًا حاسمًا في إضعاف قدرات الجماعة عسكريًا وسياسيًا.
التحركات العسكرية والأمنية المتصاعدة للحوثيين تعكس حالة قلق عميق من المستقبل القريب، ومحاولة استباقية لإعادة ترتيب أوراق القوة داخليًا، تحسبًا لتحولات إقليمية قد تعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة. وبينما يواجه اليمن واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، يبقى هذا التصعيد مؤشرًا مقلقًا على هشاشة مسار التهدئة، واحتمال انزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة صراع مفتوح، إذا ما تلاقت الأزمات المحلية مع التحولات الإقليمية المتسارعة.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي عبدالسلام مسعد أن سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة يبقى أحد الخيارات المطروحة، لكنه يراه أقل ترجيحًا في المرحلة المقبلة، في ظل سعي القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، إلى تجنب الانزلاق في حرب مفتوحة جديدة، والتركيز بدلًا من ذلك على إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي بما يضمن تحييد مصادر التهديد، خصوصًا على الحدود الجنوبية للمملكة.
وأشار إلى أن احتمال الانفجار الداخلي في مناطق سيطرة الحوثيين يظل قائمًا على المدى البعيد، إلا أنه يواجه عوائق كبيرة، أبرزها القبضة الأمنية الصارمة للجماعة، وغياب قيادة وطنية قادرة على تحويل السخط الشعبي إلى مسار سياسي منظم، ما يجعل هذا الخيار محدود التأثير في المدى المنظور.
وخلص المحلل السياسي إلى أن مرحلة ما بعد إيران، في حال تحققت، لن تجعل الحوثيين مجرد ضحايا لانهيار الحليف، بل طرفًا يجري إعادة توظيفه ضمن هندسة إقليمية جديدة تسعى القوى الكبرى إلى إعدادها مسبقًا، بحيث تُدار الفراغات المحتملة بأقل قدر من الفوضى. وأكد أن اليمن، شماله وجنوبه، يبدو مرشحًا ليكون إحدى ساحات اختبار هذه المقاربة، في ظل سباق إقليمي محموم لإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة.
>
