غياب السيولة من العملة المحلية في السوق.. أزمة حقيقية أم مُفتعلة؟

السياسية - منذ ساعتان و دقيقة
عدن، نيوزيمن، عمار علي أحمد:

للأسبوع الثالث على التوالي، تستمر شركات الصرافة ومعظم البنوك التجارية في المناطق المحررة في الامتناع عن شراء العملات الصعبة من المواطنين، بحجة نقص حاد في السيولة من العملة المحلية في السوق.

ويشكو المواطنون في المناطق المحررة، منذ مطلع الشهر الجاري، رفض أغلب شركات الصرافة والبنوك التجارية شراء العملات الصعبة منهم، في حين تُحدد بعضها سقفًا للشراء لا يتجاوز 100 ريال سعودي.

ويأتي ذلك رغم توجيهات البنك المركزي في العاصمة عدن إلى جميع البنوك العاملة في البلاد وكبار الصرّافين بشراء العملات الأجنبية من المواطنين، وبسقف يومي (10,000) ريال سعودي للفرد الواحد.

وتتواصل الأزمة رغم قيام إدارة البنك بخفض أسعار الصرف للمرة الأولى في المناطق المحررة منذ نحو 7 أشهر، حيث أقرت تعديل سعر صرف الريال السعودي إلى (410) ريالات للشراء بدلًا من (425) ريالًا، و(413) ريالًا للبيع بدلًا من (428) ريالًا.

وجاءت خطوة البنك المركزي بعد ساعات فقط من اجتماع استثنائي عقده مجلس إدارة البنك، شدد فيه على استقرار قيمة العملة المحلية والأسعار في المناطق المحررة لأطول فترة ممكنة.

وتقول مصادر اقتصادية ومصرفية إن خطوة البنك جاءت أشبه باستجابة لضغوط من البنوك وشركات الصرافة لخفض أسعار الصرف، تحت ذريعة وجود شح لديها من العملة المحلية مقابل توفر كميات كبيرة من العملة الصعبة.

هذه الذريعة، أو الحديث عن وجود شح في العملة المحلية في السوق مقابل توفر كميات كبيرة من العملة الصعبة، تُثير الشكوك حول حقيقتها وحقيقة مبررات هذه الأزمة، التي تأتي اليوم بعد 7 سنوات من انهيار العملة المحلية أمام العملة الصعبة.

انهيار استمر طيلة هذه السنوات، وكان مبرره الرئيسي قيام حكومة الشرعية بطباعة نحو 2500 مليار ريال من العملة الجديدة دون غطاء من العملة الصعبة، وأن خطوة مليشيا الحوثي بحظر تداولها في مناطق سيطرتها جعلت المعروض من العملة المحلية في المناطق المحررة أكبر من المعروض من العملة الصعبة.

واستمر مسلسل انهيار العملة المحلية رغم المزادات التي كان البنك المركزي يقدمها لبيع العملة الصعبة للسوق خلال السنوات الأربع الأخيرة، بإجمالي وصل إلى 3.7 مليار دولار أمريكي وفق تقارير البنك، إلا أنها لم تؤثر في تحسن قيمة العملة المحلية.

وهو ما يُثير اليوم تساؤلًا عن الأسباب الحقيقية التي قلبت الموازين في السوق المصرفية وأدت إلى تشبع السوق بالعملة الصعبة وغياب شبه تام للعملة المحلية وكتلتها الضخمة البالغة 2500 مليار ريال، والتي ظلت مبررًا لانهيار قيمتها طيلة السنوات الماضية.

المبرر أو التفسير الرئيسي المطروح حاليًا هو عملية صرف مرتبات التشكيلات العسكرية في المناطق المحررة لشهر يناير الماضي من قبل الجانب السعودي، بعد أن كانت فاتورة هذه المرتبات تُدفع من الجانب الإماراتي.

إلا أن هذا المبرر يبدو غير مقنع بالنظر إلى أن عملية صرف المرتبات لغالبية هذه القوات (وتحديدًا قوات العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الوطنية) كانت تتم بصورة طبيعية شهريًا وبذات المبالغ، باستثناء القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي التي كانت تتعثر عملية صرف مرتباتها وتتقاضى نصف مبلغ الراتب مقارنة بالقوات السابقة.

كما أن عملية صرف المرتبات من قبل الجانب السعودي تمت بالتوازي مع صرف الحكومة الشرعية لمرتبات شهرين للموظفين والعسكريين، وبرقم مقارب لما تم صرفه من رواتب بالريال السعودي، ما يعني عدم وجود اختلال في المعروض بين العملة المحلية والصعبة في السوق.

يُضاف إلى ذلك أن النسبة الأكبر من الكتلة النقدية من العملة المحلية في المناطق المحررة موجودة في السوق المصرفي وخارج البنوك، بما فيها البنك المركزي، الذي يقول آخر تقرير صادر له في نوفمبر الماضي إنها وصلت إلى نحو 1700 مليار ريال.

وإلى جانب السؤال المطروح حول مصير الكتلة النقدية الضخمة من العملة المحلية، يأتي سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو الطرف الآخر في المعادلة والمتمثل في الطلب على العملة الصعبة، الذي شكّل أيضًا «وجود طلب كبير عليها» ذريعة لانهيار الصرف خلال السنوات الماضية.

وهو ما تؤكده أيضًا لجنة الواردات في آخر اجتماع لها، إذ كشفت أن تمويلات الاستيراد التي أقرتها وتم تغطيتها من البنوك وشركات الصرافة خلال يناير الماضي بلغت 600 مليون دولار، أي نحو 2.2 مليار ريال سعودي.

هذا الرقم الكبير لحجم الطلب على العملة الصعبة في شهر واحد يُعمق الشكوك حول حقيقة الأزمة الحالية، بغياب السيولة من العملة المحلية مقابل زيادتها من العملة الصعبة؛ فما تم ضخه من مرتبات بالريال السعودي لا يتجاوز 10% من الطلب على العملة الصعبة في يناير الماضي.

أرقام وتجارب وتساؤلات تُشكك جميعها في صحة ما يتم الحديث عنه الآن عن أزمة سيولة في العملة المحلية في السوق مقابل تشبعه من العملة الصعبة، في مشهد يُعيد إلى الذاكرة مسلسل انهيار العملة المحلية في المناطق المحررة طيلة السنوات الماضية، وكيف توقف هذا المسلسل تمامًا بمجرد استعادة البنك المركزي لدوره مؤخرًا؟