خروقات ميدانية رغم الهدنة.. لبنان أمام مشهد ملتبس

العالم - منذ 4 ساعات و 9 دقائق
بيروت، نيوزيمن:

يشهد جنوب لبنان حالة من التداخل بين التصعيد العسكري الميداني والتحركات السياسية الدولية، في مشهد يعكس هشاشة التهدئة القائمة واحتمالات تحولها إلى مدخل لمسار تفاوضي أوسع يعيد صياغة التوازنات في المنطقة. وبينما دخلت الهدنة التي أُعلن عنها بوساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأرض، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه التهدئة وحدودها الفعلية.

ميدانيًا، أفادت مصادر إعلامية بأن الجيش الإسرائيلي قصف بالمدفعية والرشاشات بلدة كونين في جنوب لبنان، كما استهدف طواقم إسعاف تابعة لـ"الهيئة الصحية الإسلامية"، ما أسفر عن وقوع إصابات، وفق ما نقلته وكالة الأنباء اللبنانية.

وفي تطور موازٍ، نفذت القوات الإسرائيلية عملية تفجير ونسف واسعة لعدد من المنازل في بلدة الخيام، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد نوعي يكرّس استمرار العمليات العسكرية رغم إعلان وقف إطلاق النار.

وتأتي هذه التطورات بعد ساعات من بدء سريان الهدنة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والممتدة لعشرة أيام، والتي قُدمت في الخطاب السياسي الأمريكي باعتبارها خطوة نحو تهدئة أوسع في جنوب لبنان.

غير أن استمرار العمليات الميدانية يطرح فرضية أن الهدنة لا تُقرأ فقط كوقف لإطلاق النار، بل كجزء من مسار سياسي أوسع تعمل عليه واشنطن لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك بين لبنان وإسرائيل، بما يتجاوز الطابع العسكري المباشر إلى ترتيبات سياسية طويلة الأمد.

وتتداول تحليلات سياسية أن الإدارة الأمريكية قد تدفع نحو اتفاق شامل بين بيروت وتل أبيب، برعاية مباشرة من واشنطن، يقوم على إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة غير النظامية، وفي مقدمتها حزب الله.

ويشير هذا الطرح إلى أن المرحلة الحالية قد تمثل بداية انتقال من “إدارة الصراع” إلى “إعادة هندسة البيئة الأمنية والسياسية” في لبنان، بالتوازي مع تحولات إقليمية أوسع تشمل موقع إيران وأذرعها في المنطقة.

ويرى مدير “التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية” توم حرب أن التحركات الأمريكية الحالية تمثل فرصة لإعادة ترتيب الوضع اللبناني، معتبرًا أن تراجع القدرات العسكرية لكل من حزب الله وإيران يفتح نافذة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية.

ويلفت إلى أن أي اتفاق محتمل قد لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، قد تشمل إدماج لبنان في مسارات تفاوضية إقليمية جديدة، وربما ترتيبات مرتبطة بإعادة رسم النفوذ الإيراني في المنطقة.

في المقابل، يقدّم الباحث السياسي جورج العاقوري قراءة مختلفة، معتبرًا أن لبنان يمر بمرحلة “تحول بنيوي” تتطلب إعادة تموضع مؤسسات الدولة، بما يضمن استعادة السيادة وتعزيز الثقة الداخلية والدولية.

ويؤكد أن مستقبل المرحلة مرتبط بقدرة الدولة على فرض قراراتها الأمنية والسياسية، في ظل ضغوط دولية مشروطة، تربط الدعم المالي والعسكري بمدى التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وتتزامن التطورات العسكرية في الجنوب مع تحذيرات إسرائيلية مستمرة، ما يعكس – بحسب تقديرات سياسية – استراتيجية تقوم على الضغط الميداني المتدرج بالتوازي مع الدفع نحو تسوية سياسية أشمل، تمنح إسرائيل بيئة أمنية أكثر استقرارًا على حدودها الشمالية.

وتُطرح فرضيات بأن أي تسوية مستقبلية لن تكون محصورة بالساحة اللبنانية فقط، بل ستكون مرتبطة بالمسار الإقليمي الأوسع، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

وبين التصعيد العسكري المستمر في جنوب لبنان والتحركات السياسية الأمريكية، يبدو المشهد مفتوحًا على مرحلة انتقالية معقدة. فبينما تُختبر الهدنة على الأرض عبر خروقات ميدانية، تتشكل في الخلفية ملامح مسار سياسي محتمل قد يعيد رسم قواعد اللعبة في لبنان، ضمن سياق إقليمي أوسع يتجاوز وقف إطلاق النار نحو إعادة هندسة التوازنات في مرحلة ما بعد الحرب.