أبوظبي للسلم يقود مبادرة دولية لإعادة هندسة السلام في أفريقيا
السياسية - منذ ساعة و 9 دقائق
لندن، نيوزيمن:
اختُتمت في العاصمة البريطانية لندن أعمال "قمة السلام النيجيرية"، التي احتضنها مجلس اللوردات البريطاني على مدى ثلاثة أيام، في محطة وُصفت بأنها من أبرز الحوارات الدولية المعنية بملف السلم الأهلي في نيجيريا، وسط تنامي الاهتمام العالمي بإعادة صياغة مقاربات التعامل مع النزاعات في القارة الأفريقية من زاوية أكثر شمولًا، تجمع بين البعد السياسي والاجتماعي والديني.
وجاء تنظيم القمة من قبل منتدى أبوظبي للسلم، بالشراكة الاستراتيجية مع وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية البريطانية، في إطار توجه دولي متصاعد لإشراك الفاعلين الدينيين والمدنيين في هندسة مسارات الاستقرار، بدلًا من الاقتصار على المعالجات السياسية التقليدية.
وشهدت القمة حضورًا رفيع المستوى من شخصيات دينية ودبلوماسية، تقدّمهم العلّامة الشيخ عبدالله بن بيّه، إلى جانب مسؤولين أميركيين وبريطانيين، وقيادات دينية مسيحية وإسلامية من نيجيريا، في مشهد عكس حجم التداخل بين البعد الديني والسياسي في ملف السلام النيجيري.
مقاربة الإطفائي
في كلمته الافتتاحية، قدّم الشيخ بن بيّه رؤية تحليلية اعتبر فيها أن تعقيد النزاعات في نيجيريا يتطلب ما وصفه بـ"روح الإطفائي"، أي مقاربة لا تكتفي بإدارة الأزمات بل تسعى إلى معالجة أسبابها العميقة، عبر تفكيك البنى التي تغذي العنف بدل الاكتفاء باحتوائه.
وأوضح أن هذه المقاربة تقوم على إعادة تموضع العامل الديني داخل النزاعات، بحيث يتحول من عنصر استقطاب إلى أداة للتهدئة وبناء الثقة، محذرًا من استمرار توظيف الدين أيديولوجيًا في تأجيج الصراعات، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمات بدل حلها.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس تحولًا في الفكر الدبلوماسي المرتبط بالسلام، حيث باتت المؤسسات الدينية تُعامل كفاعل أساسي في عمليات الوساطة، وليس فقط كجزء من السياق الاجتماعي.
وقدّم بن بيّه قراءة تحليلية للأزمة في نيجيريا، مشيرًا إلى أنها ليست نزاعًا أحادي السبب، بل منظومة متشابكة من العوامل تشمل التنافس على الموارد، والتغيرات المناخية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى توسع شبكات الجريمة المنظمة والتطرف المسلح.
هذا التشخيص، بحسب خبراء مشاركين في القمة، يعكس تحولًا في فهم طبيعة النزاعات في أفريقيا، من كونها صراعات سياسية أو أمنية فقط، إلى أزمات بنيوية تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ما يستدعي مقاربات متعددة المستويات.
وفي هذا السياق، شدد بن بيّه على أن أي حل مستدام يجب أن يبدأ من معالجة الأسباب الجذرية، وليس فقط معالجة النتائج، داعيًا إلى بناء نموذج توازن بين الأمن والعدالة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي استقرار طويل الأمد.
"U3" للسلام الوقائي
من أبرز مخرجات القمة الإعلان عن التوجه نحو إطلاق إطار دولي ثلاثي تحت اسم "U3 – المبادرة الثلاثية للحوارات الوقائية من أجل سلام مستدام"، يجمع بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.
ويهدف هذا الإطار إلى الانتقال من نماذج الوساطة التقليدية إلى ما وصفه بن بيّه بـ"الشراكة التنفيذية"، التي تقوم على إنتاج حلول عملية قابلة للتطبيق، بدل الاكتفاء بالمشاورات السياسية، في تحول يعكس اتجاهًا دوليًا نحو ما يمكن تسميته بـ"هندسة السلام" بدل "إدارة النزاع".
وناقشت القمة بشكل موسع دور القيادات الدينية والمجتمعية في نيجيريا، حيث أجمع المتحدثون على أن المؤسسات الدينية تمثل ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي، ويمكن أن تكون عاملًا حاسمًا في تقليص فجوات الانقسام إذا أُحسن توظيفها.
وفي هذا السياق، شدد الكاردينال جون أولورونفيمي أوناييكان، وسماحة الشيخ إبراهيم صالح الحسيني، على أهمية الخطاب الديني المعتدل في مواجهة التطرف، فيما دعا الأمير ساميلا محمد ميرا إلى تحويل التعايش بين المسلمين والمسيحيين من مجرد "تعايش سلبي" إلى شراكات عملية في التعليم والصحة والتنمية.
وأظهرت مداخلات ممثلي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دعمًا واضحًا للمقاربة الجديدة، حيث أكد رايلي بارنز أن واشنطن ترى في نموذج منتدى أبوظبي للسلم إطارًا يجمع بين العمق القيمي والفاعلية السياسية، بينما شددت البارونة تشابمان على أن استقرار نيجيريا يمثل مفتاحًا لأمن غرب أفريقيا بأكملها.
ويقرأ محللون هذا الحضور الدولي على أنه مؤشر على انتقال ملف السلام في أفريقيا من الدوائر الإقليمية إلى فضاء شراكات دولية متعددة الأطراف، تقوم على الدمج بين التنمية، والأمن، والدين، والدبلوماسية الوقائية.
نحو مسار طويل متعدد المحطات
وتُعد قمة لندن المحطة الثانية في سلسلة حوارات دولية، بعد لقاء واشنطن، على أن تتواصل في محطات مقبلة تشمل أبوظبي والرباط وأبوجا، ضمن مسار تشاوري يهدف إلى بلورة رؤية شاملة للتعامل مع التحديات النيجيرية.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يعكس تحولًا في فلسفة التعامل مع النزاعات في أفريقيا، من الاستجابة اللاحقة للأزمات إلى بناء منظومات وقائية طويلة الأمد، تستند إلى الشراكة بين الدول والقيادات الدينية والمجتمعية.
وتعكس القمة بُعدًا أوسع يتجاوز الملف النيجيري، ليعكس توجهًا إماراتيًا متقدمًا في الإمارات العربية المتحدة نحو توظيف الدبلوماسية القيمية في دعم الاستقرار العالمي، عبر نماذج تقوم على التوازن بين الفاعلية السياسية والمرجعية الأخلاقية.
ويذهب محللون إلى أن هذا النمط من الدبلوماسية يعيد تعريف أدوات السلام الدولية، من خلال إدماج الدين كعنصر بناء لا كعامل صراع، وتحويل المجتمعات المحلية إلى شركاء في صناعة الاستقرار بدل كونها مجرد ساحات للنزاع.
>
