الاغتيالات المؤجلة والعدالة الغائبة.. جرح يمني مفتوح

السياسية - منذ ساعة و 5 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:

في اليمن، لا تنتهي جرائم الاغتيال بإطلاق الرصاص، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر قسوة وتعقيداً؛ مرحلة الصمت، وتآكل العدالة، وتحول الضحايا إلى أرقام مؤجلة في ذاكرة بلد أنهكته الحرب والانقسامات والانهيار المؤسسي. 

وبينما تمر السنوات، تبقى صور الضحايا معلقة في وجدان عائلاتهم وأصدقائهم، فيما تتحول ملفاتهم داخل أروقة القضاء والأجهزة الأمنية إلى قضايا عالقة، يبتلعها النفوذ السياسي والعسكري وتوازنات القوة.

ومع حلول الذكرى التاسعة لاغتيال الناشط المدني والقائد الشبابي أمجد عبد الرحمن، 14 مايو 2017 عاد ملف الاغتيالات والإفلات من العقاب إلى واجهة النقاش الحقوقي والسياسي في اليمن، عبر بيان صادر عن الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير، حذر فيه من استمرار انهيار منظومة العدالة وتزايد مؤشرات عودة العنف السياسي والاغتيالات في عدد من المدن اليمنية، خصوصاً عدن وتعز.

لكن أهمية البيان لا تكمن فقط في استذكار حادثة اغتيال قديمة، بل في إعادة فتح نقاش أوسع حول طبيعة الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وكيف تحولت ملفات الاغتيال إلى مرآة تعكس حجم التشظي الأمني والسياسي والقضائي الذي تعيشه البلاد.

الاغتيال كأداة لإعادة تشكيل المجال العام

منذ اندلاع الحرب اليمنية 2015، لم تعد الاغتيالات مجرد جرائم جنائية منفصلة، بل تحولت إلى أداة لإعادة رسم المجال العام والسيطرة على الفضاء السياسي والاجتماعي. فخلال السنوات الماضية، شهدت مدن يمنية عدة، وعلى رأسها عدن، موجات من الاغتيالات استهدفت أئمة مساجد، وناشطين، وضباطاً، وصحفيين، وشخصيات اجتماعية وسياسية، في ظل عجز واضح عن الوصول إلى الجناة أو تقديم روايات قضائية مكتملة ومقنعة للرأي العام.

في هذا السياق، تبدو قضية الناشط المدني أمجد عبد الرحمن واحدة من القضايا الرمزية التي كشفت مبكراً طبيعة التحولات التي شهدتها عدن بعد الحرب. فالرجل لم يكن مجرد ناشط شبابي، بل كان يمثل نموذجاً للفاعلين المدنيين الذين حاولوا الحفاظ على مساحة للعمل المدني وسط بيئة تتجه بسرعة نحو عسكرة المجال العام وتضخم نفوذ الجماعات المسلحة.

ولهذا، فإن تداعيات القضية لم تتوقف عند واقعة القتل نفسها، بل امتدت إلى ما بعدها؛ من تهديدات طالت المقربين منه، إلى منع الصلاة عليه ودفنه، وصولاً إلى ملاحقة ناشطين وصحفيين ارتبطت أسماؤهم بالقضية، وهي ممارسات عكست مبكراً حجم التحول من دولة القانون إلى منطق القوة والنفوذ.

البيان الصادر عن الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير ركز بصورة أساسية على فكرة الإفلات من العقاب، وهي واحدة من أخطر الظواهر التي تفاقمت خلال سنوات الحرب.

ففي الدول الهشة أو الخارجة من النزاعات، لا تقتصر خطورة الإفلات من العقاب على غياب العدالة للضحايا، بل تمتد إلى إنتاج دورة مستمرة من العنف، لأن غياب المحاسبة يرسل رسالة ضمنية مفادها أن استخدام القوة يمكن أن يمر دون تكلفة قانونية أو أخلاقية.

وفي الحالة اليمنية، تبدو هذه الظاهرة أكثر تعقيداً بسبب تعدد مراكز النفوذ، وتداخل السلطات العسكرية والأمنية والسياسية، إلى جانب انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات القضاء وإنفاذ القانون.

ولهذا، فإن القلق الذي أبداه الائتلاف بشأن ما يُتداول عن عودة المتهم الرئيسي في قضية أمجد عبد الرحمن أو تمكينه من مواقع ذات طابع أمني أو عسكري، لا يتعلق فقط بالقضية ذاتها، بل بما تمثله هذه الخطوة من دلالات رمزية وسياسية. إذ يرى حقوقيون أن أي إعادة تأهيل لأشخاص تحيط بهم اتهامات مرتبطة بانتهاكات جسيمة، قبل استكمال التحقيقات والمحاكمات، تعني عملياً تكريس فكرة أن النفوذ المسلح أقوى من القانون.

قضية عمر باطويل.. حين تتحول العدالة إلى مسار مرتبك

إلى جانب قضية أمجد عبد الرحمن، أعاد البيان التذكير بقضية عمر باطويل، التي تعد بدورها نموذجاً آخر للتعقيدات التي أصابت النظام القضائي اليمني خلال الحرب. فعلى الرغم من صدور حكم ابتدائي بالإدانة في القضية، إلا أن مسارها القضائي انتهى إلى إسقاط القصاص والاكتفاء بعقوبة تعزيرية، في تطور أثار كثيراً من الجدل داخل الأوساط الحقوقية والقانونية.

وتكشف هذه القضية عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة القضاء اليمني على العمل بصورة مستقلة ومهنية في بيئة مضطربة أمنياً وسياسياً. فالحرب لم تؤد فقط إلى تعطيل المؤسسات، بل أضعفت أيضاً الثقة المجتمعية بالقضاء، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالعنف والاغتيالات.

كما أن بطء إجراءات التقاضي، وتداخل النفوذ الأمني والسياسي، وغياب الحماية الكافية للشهود وأطراف التقاضي، كلها عوامل تجعل الوصول إلى العدالة في مثل هذه الملفات أمراً بالغ التعقيد.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت عدن من مدينة كانت تُقدَّم بوصفها نموذجاً لاستعادة مؤسسات الدولة، إلى مساحة تعكس حجم الانقسامات والتنافس بين القوى المسلحة والأمنية المختلفة. ورغم التحسن النسبي الذي شهدته المدينة في بعض الفترات، إلا أن حوادث الاغتيال والعنف ظلت حاضرة بصورة متقطعة، ما أبقى حالة القلق الأمني قائمة لدى السكان والنخب المدنية.

وتأتي حوادث القتل الأخيرة، ومنها مقتل الصحفي عبدالصمد القاضي في تعز، ومقتل المسؤول التنموي وسام قائد، ورجل الأعمال عبد الرحمن الشاعر في عدن، لتعيد التذكير بأن العنف لم يعد مرتبطاً فقط بمواجهات الحرب التقليدية، بل أصبح جزءاً من المشهد اليومي الهش في بعض المدن اليمنية.

العدالة المؤجلة تهدد السلام الهش

تكمن خطورة استمرار هذه الملفات دون حسم في أنها لا تمس الضحايا وحدهم، بل تضرب فكرة الدولة ذاتها. فالدولة تُقاس، في أحد أهم معانيها، بقدرتها على حماية مواطنيها وضمان العدالة لهم، وعندما تصبح الجرائم الكبرى ملفات معلقة بلا محاسبة واضحة، تتآكل ثقة الناس بمؤسسات القانون تدريجياً.

ولهذا، فإن حديث الائتلاف عن أن حماية الحق في الحياة وحرية التفكير والتعبير تمثل الأساس الأخلاقي والقانوني لأي دولة، يتجاوز البعد الحقوقي إلى جوهر الأزمة اليمنية نفسها؛ أزمة غياب الدولة القادرة على فرض القانون بصورة متساوية.

وفي ظل استمرار الانقسامات السياسية والعسكرية، وتعثر مسارات التسوية الشاملة، تبدو معالجة ملف الاغتيالات والإفلات من العقاب جزءاً أساسياً من أي محاولة لبناء سلام مستدام في اليمن. إذ لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي بينما تبقى قضايا الدم مفتوحة، والعدالة مؤجلة، والخوف حاضراً في المجال العام.

وبالنسبة لكثير من اليمنيين، فإن أخطر ما خلفته الحرب ربما لا يتمثل فقط في الدمار والخسائر البشرية، بل في ذلك الشعور المتزايد بأن العدالة أصبحت بعيدة، وأن الإفلات من العقاب يتحول تدريجياً إلى أمر اعتيادي في الحياة العامة.