من "الولاية" إلى "القافلة العيدية".. الحوثيون يبتكرون مسميات جديدة للجباية

السياسية - منذ 54 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

في وقت يرزح فيه ملايين اليمنيين تحت وطأة الفقر وانقطاع الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية، تواصل ميليشيا الحوثي توسيع حملات الجباية المالية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر استحداث مسميات جديدة وابتكار ذرائع متكررة لفرض مزيد من الإتاوات على المواطنين والتجار والقطاع الخاص، في سياسة يرى مراقبون أنها تحولت إلى أحد أبرز مصادر تمويل الجماعة ومشروعها الطائفي.

وأطلقت الجماعة خلال الأيام الماضية حملة جبايات جديدة استهدفت التجار وأصحاب المنشآت الاقتصادية في صنعاء وإب والحديدة ومنطقة الحوبان شرقي تعز، تحت شعار تمويل فعاليات ما يسمى "يوم الولاية"، وهي مناسبة ذات طابع طائفي تحرص الجماعة على إحيائها سنوياً في الثامن عشر من ذي الحجة.

ووفقاً لمصادر محلية وتجار، نفذت فرق ميدانية تابعة للحوثيين نزولات واسعة إلى الأسواق والمحال التجارية والمؤسسات الخاصة، وفرضت مبالغ مالية متفاوتة على أصحاب الأنشطة الاقتصادية، وسط تهديدات بإغلاق المنشآت أو فرض عقوبات وغرامات على الرافضين للدفع.

غير أن هذه الحملة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجبايات التي تفرضها الجماعة بصورة دورية تحت عناوين وشعارات متعددة. فقبل أيام فقط، وخلال أيام عيد الأضحى المبارك، أطلقت الميليشيا حملة مالية جديدة تحت مسمى "القافلة العيدية"، زعمت أنها تهدف إلى دعم مقاتليها في الجبهات.

وقالت مصادر محلية إن الجماعة كلفت عقال الحارات بالترويج للحملة عبر مجموعات وتطبيقات التواصل، خصوصاً "واتساب"، ودعت السكان إلى تحويل الأموال عبر وسائل مصرفية مختلفة، وسط غياب أي شفافية بشأن حجم الأموال التي يتم جمعها أو الجهات التي تستفيد منها.

وأثارت تلك الحملة استياءً واسعاً بين المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام مطالب مالية جديدة في وقت يعانون فيه من أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع مستمر للرواتب، وارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية والخدمات.

ويرى اقتصاديون أن تعدد حملات الجباية خلال فترات زمنية متقاربة يعكس اعتماد الجماعة بشكل متزايد على الأموال التي يتم تحصيلها من المواطنين والقطاع الخاص لتعويض النقص في مواردها المالية، خصوصاً مع تراجع الإيرادات التقليدية واتساع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها.

وتشير تقارير لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي الخاصة باليمن خلال السنوات الماضية إلى أن الضرائب والرسوم غير القانونية شكلت أحد أبرز مصادر التمويل التي اعتمدت عليها الجماعة، إلى جانب الرسوم الجمركية ومصادرة الأراضي والممتلكات والودائع المصرفية والاتجار بالمشتقات النفطية في السوق السوداء.

ويؤكد مراقبون أن الجماعة لم تكتفِ بالضرائب التقليدية، بل عملت منذ سنوات على استحداث منظومة موازية من الرسوم والإتاوات والجبايات تحت مسميات طائفية أو عسكرية أو اجتماعية، ما أدى إلى مضاعفة الأعباء المالية على المواطنين والتجار في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها.

ولم تقتصر حملات الجباية على الأسواق والأنشطة التجارية التقليدية، بل امتدت خلال الأيام الأخيرة إلى القطاع السياحي والترفيهي. فقد شنت الجماعة حملة واسعة استهدفت الشاليهات والمتنزهات والاستراحات والمنشآت الترفيهية في صنعاء وذمار وإب، في خطوة وصفها ملاك تلك المنشآت بأنها حملة ابتزاز منظمة تهدف إلى فرض إتاوات مالية جديدة تحت ذرائع تنظيمية وأمنية.

وذكرت مصادر محلية أن مسلحين تابعين للجماعة نفذوا نزولات ميدانية مفاجئة إلى عدد من المنشآت الترفيهية وأجبروا ملاكها على إيقاف النشاط وإغلاق المشاريع مؤقتاً، بالتزامن مع مطالبتهم بدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل السماح بإعادة التشغيل.

وتركزت الحملة على المنشآت التي تشهد إقبالاً متزايداً خلال إجازة عيد الأضحى، حيث تعرض عدد من المستثمرين لتهديدات بسحب التراخيص أو الإغلاق النهائي في حال رفضهم دفع المبالغ المطلوبة.

وأكد مستثمرون أن الجماعة فرضت رسوماً جديدة تحت مسميات مختلفة من بينها "المجهود الحربي" و"تحسين الخدمات" و"الرسوم الرقابية" و"رسوم الإشراف"، رغم امتلاك تلك المنشآت تراخيص قانونية وسدادها الرسوم الرسمية المستحقة مسبقاً.

ويقول عاملون في القطاع الخاص إن هذه السياسات حولت الأنشطة التجارية والاستثمارية إلى ما يشبه "مصدر تمويل مفتوح" للجماعة، حيث تظهر بين الحين والآخر رسوم وإتاوات جديدة لا تستند إلى أي أطر قانونية واضحة، بينما يواجه المستثمرون خيارات محدودة بين الدفع أو الإغلاق.

ويرى خبراء اقتصاديون أن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تستهدف كبار المستثمرين فحسب، بل تمتد إلى أصحاب المحال الصغيرة والورش والمشاريع المحدودة والبسطات الشعبية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى رفع أسعار السلع والخدمات وتحميل المواطنين أعباء إضافية في ظل أوضاع معيشية هي الأسوأ منذ سنوات.

ويحذر مراقبون من أن استمرار سياسة الجبايات المفتوحة يهدد ما تبقى من النشاط الاقتصادي في مناطق سيطرة الحوثيين، ويقوض فرص الاستثمار ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وإغلاق المزيد من المشاريع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تحفيز الاقتصاد لا إلى استنزافه.

ومع كل مناسبة جديدة، سواء كانت دينية أو طائفية أو عسكرية، تتجدد مطالب الجماعة المالية وتتوسع حملات التحصيل القسري، ما يعزز قناعة متزايدة لدى السكان بأن الجبايات لم تعد إجراءات استثنائية مرتبطة بظروف الحرب، بل تحولت إلى سياسة دائمة لإدارة الموارد وتمويل أنشطة الجماعة على حساب المواطنين والقطاع الخاص.