البحر الأحمر رهينة التصعيد الحوثي… وتحذيرات من تداعيات كارثية
السياسية - منذ ساعة و 20 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:
في وقتٍ تتشابك فيه خيوط الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل على أكثر من ساحة، يبرز التصعيد الحوثي الأخير في البحر الأحمر كعامل إضافي يزيد المشهد تعقيداً، ويضع واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية أمام احتمالات اضطراب واسعة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فإعلان الحوثيين التحرك عسكرياً وفرض قيود على الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، إلى جانب التهديد باستهداف سفن وإطلاق هجمات باتجاه إسرائيل، لا يمكن فصله عن سياق الحرب الأوسع بين طهران وتل أبيب، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار الخطوة بمثابة "توسيع غير مباشر" لساحة المواجهة، عبر بوابة اليمن ومضيق باب المندب.
ويأتي هذا التصعيد في لحظة حساسة يشهد فيها مضيق هرمز اضطراباً متكرراً، ما يجعل الممرين البحريين الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية تحت ضغط مزدوج، الأمر الذي يثير مخاوف من سيناريو غير مسبوق يتمثل في تعطيل شبه متزامن لخطوط الشحن بين الخليج والبحر الأحمر.
وتحذر تحليلات دولية، من بينها تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، من أن أي توسع في نشاط الحوثيين في البحر الأحمر من شأنه أن يؤدي إلى خنق مسارات الإمداد الحيوية بين آسيا وأوروبا والأمريكيتين، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتأمين وسلاسل التوريد العالمية، في وقت لا تزال فيه الأسواق تعاني من هشاشة واضحة.
ويكتسب مضيق باب المندب أهمية استراتيجية بالغة، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع عالمياً، بينما يؤدي أي اضطراب فيه إلى إجبار السفن على تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما يعني إضافة أسابيع من الإبحار وتكاليف تشغيلية مرتفعة تصل في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات لكل رحلة.
ويرى الباحث في الشأن اليمني فارع المسلمي أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في حجم العمليات، بل في "إشارات التهديد" التي يمكن أن تُحدث تأثيراً فورياً في سوق التأمين والشحن، موضحاً أن مجرد هجوم واحد في منطقة عالية الحساسية قد يكفي لإعادة تقييم شامل لمخاطر الملاحة في البحر الأحمر ورفع تكاليف التأمين بشكل كبير.
ويضيف محللون أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق كامل للممر المائي لإحداث تأثير اقتصادي واسع، بل يكفي رفع مستوى التهديدات في المنطقة، وهو ما يدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور أو فرض رسوم إضافية على النقل البحري، ما يؤدي إلى اضطراب تدريجي في حركة التجارة العالمية.
في المقابل، يشير محللون في صنعاء إلى أن أي تدخل عسكري دولي موسع في البحر الأحمر لمواجهة الحوثيين قد يحوّل المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بما يرفع احتمالات التصعيد ويزيد من تعقيد المشهد الأمني، خصوصاً مع تداخل المصالح الإقليمية والدولية في هذا الممر الحيوي.
وتؤكد وكالة بلومبيرغ أن خطوة الحوثيين، حتى وإن لم تصل إلى مستوى الحظر الشامل للملاحة، تمثل مؤشراً خطيراً على احتمال توسع دائرة التوتر في البحر الأحمر، في ظل ارتباط هذا الممر بمضيق هرمز الذي يشهد بدوره توتراً متصاعداً بسبب الحرب الإيرانية غير المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
كما تشير تقارير أمنية بحرية إلى أن شركات الشحن باتت تعتمد إجراءات حذر مشددة عند المرور في المنطقة، بما في ذلك عمليات تدقيق إضافية وتقييم مخاطر يومي، وسط تحذيرات من إمكانية استهداف سفن "بالخطأ" نتيجة اتساع تعريف الأهداف العسكرية خلال الصراع.
وسبق أن شهدت الفترة منذ عام 2023 موجة اضطرابات واسعة في الملاحة البحرية عقب تصاعد الحرب في غزة، حيث استُهدفت سفن تجارية وناقلات نفط في البحر الأحمر، ما أدى إلى تراجع كبير في حركة المرور عبر قناة السويس، ودفع العديد من شركات الشحن العالمية إلى إعادة هيكلة مساراتها التجارية.
وتحذر تقارير اقتصادية من أن أي عودة إلى مستوى مشابه من الاضطراب قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الشحن والطاقة، مع زيادة كبيرة في تكاليف التأمين البحري، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع عالمياً، خصوصاً في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
كما ترى مجلة نيوزويك أن فتح جبهة جديدة في البحر الأحمر بالتوازي مع التوتر القائم في مضيق هرمز قد يؤدي إلى "اختناق مزدوج" في أهم شرياني نقل للطاقة في العالم، ما يهدد بانكماش إضافي في حركة التجارة الدولية وارتفاع غير مسبوق في تكاليف النقل البحري.
وفي ظل هذا المشهد، تتقاطع التحذيرات الدولية عند نقطة واحدة: أن استمرار التصعيد في البحر الأحمر لا يعني فقط توسعاً في نطاق الحرب الإقليمية، بل قد يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عالمية جديدة، عنوانها تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
وبين حسابات الصراع الإقليمي وممرات التجارة الدولية، تبدو ساحة البحر الأحمر اليوم أقرب إلى نقطة اشتعال مفتوحة، حيث يمكن لأي تصعيد محدود أن يتحول إلى أزمة عالمية واسعة، لا تبدو حدودها أو تكلفتها قابلة للتقدير في الوقت الراهن.
>
