عودة الرحلات الدولية إلى اليمن.. ادعاء حكومي بلا معطيات
السياسية - منذ ساعة و 39 دقيقة
عدن، نيوزيمن، تحليل خاص:
أعاد توجيه وزير النقل محسن حيدرة العُمري للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بفتح الأجواء اليمنية أمام شركات الطيران العربية والإقليمية والدولية، ودعوة الناقلات الجوية إلى استئناف وتدشين رحلاتها إلى الجمهورية اليمنية عبر مطار عدن الدولي، أعاد ملف الطيران المدني اليمني إلى واجهة المشهد مجدداً، في محاولة حكومية لإعادة تنشيط الحركة الجوية وتوسيع شبكة الربط الخارجي للبلاد.
غير أن هذه التوجهات، رغم أهميتها، تصطدم بجملة من التحديات المعقدة التي تجعل عودة شركات الطيران الدولية والإقليمية إلى اليمن أكثر صعوبة مما تبدو عليه في الخطابات والتوجهات الرسمية، إذ لا تزال البيئة التشغيلية التي تنظر إليها شركات الطيران العالمية محكومة بعوامل تتجاوز جاهزية المطارات أو الدعوات الحكومية.
وتكمن أبرز العقبات في استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على قرارات شركات الطيران وهيئات الطيران المدني الدولية التي تعتمد في تقييم وجهاتها على معايير صارمة تتعلق بالأمن والسلامة واستدامة العمليات التشغيلية.
وعلى الرغم من أن مطار عدن الدولي واصل العمل خلال سنوات الحرب، وتمكن من الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الملاحي، إلا أن شركات الطيران الدولية تنظر إلى المشهد اليمني بصورة أشمل، حيث لا تقتصر حساباتها على وضع مطار بعينه، بل تشمل البيئة الأمنية العامة للدولة، ومستوى المخاطر المحتملة على حركة الطيران، ومدى استقرار الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد.
ويشكل ملف التأمين أحد أكبر التحديات التي تواجه أي مساعٍ لاستقطاب الناقلات الجوية الأجنبية. فمع استمرار تصنيف اليمن ضمن المناطق عالية المخاطر لدى شركات التأمين العالمية، ترتفع تكاليف التأمين على الطائرات والأطقم الجوية والرحلات بشكل كبير، الأمر الذي يقلل من الجدوى الاقتصادية لتشغيل خطوط جوية منتظمة إلى اليمن، ويدفع العديد من الشركات إلى تأجيل قرارات العودة أو الاكتفاء بعمليات محدودة للغاية.
كما أن التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك التهديدات المرتبطة بحركة الملاحة الجوية والبحرية، عززت من حالة الحذر لدى شركات الطيران العالمية، التي أصبحت أكثر تحفظاً في التوسع نحو الأسواق التي تواجه تحديات أمنية أو سياسية غير مستقرة.
ولا تتوقف المعوقات عند الجوانب الأمنية فقط، بل تمتد إلى الاعتبارات التجارية والاقتصادية. فشركات الطيران تبحث عن أسواق مستقرة تضمن استمرارية التشغيل وتحقيق عوائد مجزية على المدى الطويل، بينما ما تزال السوق اليمنية تواجه تحديات مرتبطة بالوضع الاقتصادي، وتراجع القوة الشرائية، وصعوبة التنبؤ بحجم الطلب المستقبلي على الرحلات الدولية.
إلى جانب ذلك، فإن استعادة ثقة قطاع الطيران الدولي تتطلب إجراءات متراكمة وطويلة الأمد، تشمل تعزيز معايير السلامة الجوية، وتطوير البنية التحتية للمطارات، وتحديث الأنظمة الملاحية، وتوسيع نطاق التعاون مع المنظمات الدولية المختصة بالطيران المدني، فضلاً عن توفير ضمانات أمنية وتشغيلية تمنح شركات الطيران الثقة اللازمة للعودة والاستثمار في السوق اليمنية.
ويرى مختصون أن نجاح الحكومة في استقطاب شركات طيران عربية وإقليمية ودولية لن يتحقق عبر الدعوات الرسمية وحدها، بل من خلال بناء بيئة مستقرة قادرة على تقليص مستويات المخاطر التي تنظر إليها تلك الشركات باعتبارها العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو عودة الرحلات الدولية إلى اليمن هدفاً مشروعاً تسعى إليه الحكومة لتخفيف معاناة المواطنين والمغتربين وتعزيز حركة التجارة والاستثمار، إلا أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على معالجة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي ما تزال تشكل العائق الأكبر أمام استعادة اليمن مكانته الطبيعية على خارطة النقل الجوي الإقليمي والدولي.
وبين طموحات الانفتاح الجوي ومتطلبات الواقع، تظل الثقة الدولية هي التحدي الأكثر أهمية، وهي ثقة لا تُكتسب بالقرارات وحدها، بل تُبنى عبر الاستقرار المستدام والضمانات العملية التي تطمئن شركات الطيران بأن الأجواء اليمنية أصبحت بيئة آمنة وقابلة للتشغيل والاستثمار على المدى الطويل.
>
