دعم سعودي جديد للحكومة يعيد التساؤلات بشأن مصير المنح السابقة

السياسية - منذ ساعة و 40 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

أعاد إعلان المملكة العربية السعودية صرف دفعة مالية جديدة تتجاوز 224 مليون ريال سعودي لدعم موازنة الحكومة اليمنية فتح باب التساؤلات مجدداً حول مصير المنح والودائع المالية التي تدفقت إلى البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت يواصل فيه المواطنون مواجهة أزمات معيشية متفاقمة وانهياراً مستمراً في الخدمات الأساسية وتراجعاً حاداً في قيمة العملة الوطنية.

وقالت الجهات الرسمية إن الدفعة الجديدة تأتي في إطار دعم الموازنة العامة والمساهمة في تغطية رواتب موظفي الدولة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، إلا أن الإعلان يواجه حالة من التشكيك الشعبي المتزايد بشأن مدى قدرة هذه الأموال على إحداث تغيير حقيقي في الواقع الاقتصادي الذي يشهد تدهوراً متواصلاً رغم سنوات من الدعم الخارجي.

وخلال الأعوام الماضية، تلقت الحكومة اليمنية منحاً وودائع ومساعدات مالية بمليارات الريالات السعودية والدولارات الأمريكية، كان أبرزها الوديعة السعودية لدى البنك المركزي اليمني، إضافة إلى حزم دعم متعددة خُصصت لتعزيز الاحتياطي النقدي وتمويل الواردات ودعم الموازنة العامة. غير أن النتائج التي كان ينتظرها المواطنون لم تتحقق بالشكل المأمول، إذ ما تزال أزمة الرواتب قائمة، بينما تتفاقم أزمة الخدمات العامة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.

ويرى مراقبون أن الفجوة الواسعة بين حجم الدعم المعلن وبين الواقع الاقتصادي والمعيشي تفرض أسئلة مشروعة حول آليات إدارة تلك الأموال ومدى كفاءة توظيفها في معالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها مؤسسات الدولة.

أزمة رواتب مستمرة رغم الدعم

وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من المنح كان يعلن عنه باعتباره مخصصاً لدعم الموازنة وتمويل النفقات التشغيلية وفي مقدمتها الرواتب، لا يزال آلاف الموظفين في قطاعات مختلفة يشكون من عدم انتظام صرف مستحقاتهم أو تأخرها لفترات طويلة، فيما تعجز الحكومة بصورة متكررة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية دون اللجوء إلى دعم خارجي جديد.

ويقول اقتصاديون إن استمرار الاعتماد على المنح الخارجية لتغطية النفقات الجارية يكشف هشاشة الوضع المالي العام، ويؤكد غياب حلول مستدامة لمعالجة العجز المزمن في الموازنة، خصوصاً مع تراجع الإيرادات العامة وتراجع إنتاج وتصدير النفط الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة.

ويضيف هؤلاء أن أي دعم مالي، مهما كان حجمه، لن يتمكن من تحقيق نتائج طويلة الأمد في ظل غياب إصلاحات اقتصادية ومؤسسية تضمن تعزيز الإيرادات وترشيد الإنفاق ورفع كفاءة إدارة المال العام. 

وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن تلقي دفعات دعم جديدة، يواجه القطاع المصرفي تحديات غير مسبوقة تتمثل في ضعف الاحتياطيات الأجنبية وتراجع الثقة بالنظام المالي وتزايد الضغوط على سوق الصرف.

ويؤكد مصرفيون أن المنح والودائع كان يفترض أن تسهم في تعزيز استقرار العملة الوطنية ودعم قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية، إلا أن الريال اليمني واصل خلال السنوات الأخيرة مسار التراجع أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ويرى خبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الموارد، بل في غياب استراتيجية مالية ونقدية واضحة قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى أدوات فاعلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي.

تحقيقات تنتظر النتائج

وتتزامن المنحة الجديدة مع استمرار الغموض الذي يحيط بملف الودائع السابقة، وفي مقدمتها الوديعة السعودية التي قدمت للبنك المركزي خلال الفترة بين عامي 2018 و2019.

ففي عام 2025 وجهت النيابة العامة عبر مكتب محامي عام نيابات الأموال العامة مذكرة رسمية إلى رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة تطالب بإجراء مراجعة شاملة وتفصيلية لجميع العمليات المرتبطة بالوديعة المالية، ورفع تقرير مفصل يحدد مدى مشروعية الإجراءات المتخذة والمسؤوليات المترتبة عليها إن وجدت.

وجاءت تلك الخطوة بعد تصاعد الاتهامات والبلاغات التي تحدثت عن وجود تجاوزات رافقت آلية استخدام الوديعة، وسط مطالبات واسعة بكشف تفاصيل التصرف بالأموال التي خُصصت لدعم الاقتصاد الوطني وتمويل استيراد السلع الأساسية.

ورغم مرور أشهر على بدء إجراءات المراجعة، لم تُعلن حتى الآن نتائج نهائية للرأي العام توضح ما إذا كانت تلك الأموال قد استُخدمت وفق الأهداف المعلنة أم أن هناك اختلالات أو تجاوزات تستوجب المساءلة القانونية.

وكانت تقارير رقابية ودولية قد أثارت في وقت سابق جدلاً واسعاً بشأن إدارة الوديعة السعودية وآليات توزيع التمويلات المرتبطة بها.

وأشارت تقارير دولية إلى وجود اختلالات في آلية تمويل الواردات عبر الوديعة، حيث استفادت شركات وتجار محددون من أسعار صرف تفضيلية، الأمر الذي أدى إلى تحقيق أرباح كبيرة لبعض المستفيدين على حساب الهدف الأساسي المعلن للوديعة والمتمثل في تخفيف الأعباء عن المواطنين ودعم استقرار الأسواق.

كما تحدثت تقارير رقابية محلية عن خسائر مالية كبيرة مرتبطة بفروقات أسعار الصرف وآليات التمويل، في وقت استمرت فيه أسعار السلع بالارتفاع واستمر تدهور القوة الشرائية للمواطنين.

ويرى مختصون أن أهمية التحقيقات الجارية لا تقتصر على كشف ما حدث في الماضي، بل تمتد إلى بناء قواعد أكثر صرامة للرقابة والشفافية على أي منح أو ودائع مستقبلية، بما يضمن عدم تكرار الأخطاء السابقة ويحافظ على المال العام.

أين تذهب أموال المنح؟

ومع كل إعلان جديد عن دعم مالي خارجي، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: أين تذهب أموال المنح والودائع التي يتم الإعلان عنها بصورة متكررة؟

فبينما تتحدث البيانات الرسمية عن دعم الموازنة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، لا يلمس المواطنون تحسناً ملموساً في الخدمات أو الرواتب أو أسعار السلع أو استقرار العملة، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى المطالبة بنشر تقارير دورية تفصيلية توضح حجم الأموال المستلمة وأوجه إنفاقها والنتائج التي حققتها.

ويؤكد خبراء أن الشفافية أصبحت اليوم ضرورة ملحة لاستعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

وفي ظل استمرار العجز المالي وتراجع الإيرادات وتدهور الخدمات، ينظر كثير من اليمنيين إلى المنحة السعودية الجديدة باعتبارها إجراءً إسعافياً مؤقتاً يخفف الضغوط على الحكومة لفترة محدودة، لكنه لا يمثل حلاً جذرياً للأزمة الاقتصادية المعقدة ما لم يترافق مع إصلاحات حقيقية وآليات رقابة صارمة تكفل توجيه الأموال نحو خدمة الاقتصاد الوطني وتحسين حياة المواطنين، بدلاً من أن تتحول إلى مجرد أرقام جديدة تضاف إلى سجل طويل من المنح التي لم ينعكس أثرها على الواقع المعيشي بصورة واضحة.