التصعيد الإقليمي يضع الرياض بين الردع والاحتواء

السياسية - منذ 52 دقيقة
عدن، نيوزيمن، تحليل خاص:

لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط يتمثل في ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستتأثر بالحرب الأمريكية الإيرانية، بل إلى أي مدى تستطيع منع هذه المواجهة من إعادة تشكيل أولوياتها الاستراتيجية وفرض واقع أمني جديد يهدد مشروعها الاقتصادي الأكبر.

فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير 2026، انتهجت الرياض سياسة تقوم على النأي بنفسها عن الصراع، انطلاقاً من قناعة بأن الانخراط في حرب إقليمية واسعة سيؤدي إلى استنزاف الموارد، ويقوض البيئة الآمنة التي تحتاجها المملكة لإنجاز مشروعها الطموح "رؤية 2030".

لكن هذه السياسة أصبحت أكثر صعوبة مع انتقال الحرب تدريجياً إلى محيط المملكة، وتعرض أراضيها ومنشآتها الحيوية وخطوط تصدير النفط لهجمات متكررة، الأمر الذي دفع القيادة السعودية إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية والعسكرية، ووضعها أمام معادلة شديدة التعقيد، فإما تعزيز الردع عبر توسيع الرد العسكري، أو السعي إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.

حرب الوكلاء.. من مواجهة ثنائية إلى صراع إقليمي

تكشف التطورات الميدانية أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى صراع إقليمي متعدد الساحات، تستخدم فيه إيران شبكة حلفائها لتوسيع نطاق الضغط العسكري والسياسي دون الانخراط المباشر في حرب تقليدية.

ويضم هذا المحور الحرس الثوري الإيراني، وجماعة الحوثي في اليمن، والفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق، إلى جانب حزب الله في لبنان، الذي يواصل حتى الآن الحفاظ على مستوى منخفض من الانخراط العسكري.

في المقابل، تقود الولايات المتحدة عملياتها العسكرية عبر قوات القيادة المركزية، مدعومة بدرجات متفاوتة من عدد من الدول الخليجية والأردن، بينما تواصل إسرائيل تقديم الدعم السياسي والعسكري لواشنطن، دون مشاركة ميدانية واسعة في المرحلة الراهنة.

ومع اتساع دائرة الصراع، امتدت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى أهداف في الخليج، كما تصاعدت التهديدات ضد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، قبل أن تنتقل إلى البحر الأحمر عبر الهجمات التي تستهدف السفن التجارية، وهو ما يعكس انتقال الحرب من مواجهة عسكرية إلى صراع يستهدف الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والطاقة.

لماذا تحاول الرياض تجنب الحرب؟

ترتبط الحسابات السعودية اليوم باعتبارات تتجاوز الأمن العسكري، لتصل إلى مستقبل التحول الاقتصادي الذي تمثله "رؤية 2030".

فالمملكة تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع، يقلل الاعتماد على النفط، ويجذب الاستثمارات الأجنبية، ويؤسس لصناعات متقدمة ومراكز تقنية ومشروعات لوجستية وسياحية عملاقة.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بيئة مستقرة وآمنة، إذ ينظر المستثمرون الدوليون إلى الاستقرار الأمني باعتباره أحد أهم معايير ضخ رؤوس الأموال.

ولذلك، فإن استمرار الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على المطارات والمنشآت النفطية والموانئ لا يمثل مجرد تحدٍ عسكري، بل يهدد بصورة مباشرة قدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات، ويرفع تكاليف التأمين والنقل، ويؤثر في تنافسية الاقتصاد السعودي على المدى الطويل.

ذاكرة بقيق.. لماذا لا تزال تؤثر في القرار السعودي؟

لا تزال هجمات سبتمبر 2019 على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين تمثل نقطة تحول في التفكير الأمني السعودي، بعدما كشفت هشاشة البنية التحتية النفطية أمام الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

وقد أدت تلك الهجمات حينها إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج النفط السعودي، وأثارت مخاوف واسعة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.

واليوم، ومع تكرار استهداف المنشآت النفطية خلال الأزمة الحالية، عادت تلك المخاوف إلى الواجهة، ليس فقط باعتبارها تهديداً للأمن الوطني السعودي، وإنما أيضاً بوصفها تحدياً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة العالمية.

النفط.. قلب المعادلة الاستراتيجية

رغم التقدم الذي أحرزته المملكة في تنويع اقتصادها، لا يزال النفط يمثل الركيزة الأساسية للإيرادات العامة، وهو ما يجعل أمن صادرات الطاقة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي السعودي.

وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى دفع الرياض للاعتماد بصورة أكبر على خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، باعتباره المسار البديل لتصدير النفط إلى الأسواق الآسيوية.

غير أن تصاعد الهجمات في البحر الأحمر واستهداف السفن التجارية قرب مضيق باب المندب، كشف أن البدائل الاستراتيجية نفسها أصبحت معرضة للخطر.

وبذلك، وجدت السعودية نفسها أمام تهديد مزدوج، فمضيق هرمز يتعرض للاضطراب شرقاً، بينما تواجه الملاحة في باب المندب مخاطر متزايدة غرباً، في مشهد يضع أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي تحت ضغط غير مسبوق.

الحوثيون.. تهديد يتجاوز حدود اليمن

أثبتت التطورات الأخيرة أن جماعة الحوثي لم تعد تمثل تحدياً محصوراً داخل الساحة اليمنية، بل أصبحت لاعباً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي.

فبعد التصعيد العسكري الذي شمل استهداف مطار صنعاء، توسعت الهجمات لتطال مطارات سعودية ومنشآت بحرية وسفناً تجارية في البحر الأحمر، بما يعكس قدرة الجماعة على التأثير في حركة التجارة والطاقة، وفرض ضغوط استراتيجية على المملكة.

كما تؤكد هذه التطورات أن سنوات الحرب والهدن المتعاقبة لم تنجح في إزالة أسباب التوتر، وأن أي تصعيد إقليمي مع إيران ينعكس سريعاً على الجبهة اليمنية.

الردع أم الاحتواء؟

تواجه الرياض اليوم خيارين متناقضين، يحمل كل منهما كلفة سياسية وأمنية واقتصادية.

الخيار الأول يتمثل في توسيع الرد العسكري ضد الجهات التي تنفذ الهجمات، بهدف إعادة ترسيخ معادلة الردع ومنع تكرار الاعتداءات.

أما الخيار الثاني، فيقوم على احتواء التصعيد عبر المسارات الدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية، وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تستنزف المنطقة لسنوات.

لكن المعضلة تكمن في أن الرد العسكري قد يوسع نطاق الحرب، في حين قد يُفسر ضبط النفس على أنه تراجع يشجع الخصوم على مواصلة التصعيد.

البحر الأحمر.. الجبهة الجديدة

أحد أبرز التحولات في الأزمة يتمثل في انتقال مركز الثقل العسكري إلى البحر الأحمر.

فإذا كان مضيق هرمز يمثل البوابة الرئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، فإن مضيق باب المندب يشكل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الشحن بين آسيا وأوروبا.

وبالنسبة للسعودية، فإن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية بحرية فحسب، بل أصبح جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، في ظل التوسع الكبير في الاستثمارات والموانئ والمشروعات اللوجستية على الساحل الغربي للمملكة.

اختبار لمستقبل «رؤية 2030»

لا تواجه السعودية اليوم مجرد تحدٍ عسكري، بل اختباراً شاملاً لقدرتها على تحقيق التوازن بين حماية أمنها القومي واستمرار مشروعها التنموي.

فكلما طال أمد المواجهة واتسعت رقعتها، ازدادت الضغوط على الاستثمارات والأسواق وسلاسل الإمداد ومشروعات التنمية، بينما تصبح كلفة الحفاظ على الاستقرار أكثر ارتفاعاً.

وفي المقابل، فإن نجاح الرياض في إدارة هذه الأزمة سيعزز مكانتها بوصفها قوة إقليمية قادرة على توظيف أدواتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في آن واحد.

وفي ظل استمرار التصعيد، تبدو المملكة أمام مفترق طرق تاريخي، فقراراتها خلال المرحلة المقبلة لن تحدد فقط مستقبل «رؤية 2030»، بل قد تسهم أيضاً في رسم ملامح التوازنات الجديدة في الخليج والبحر الأحمر، وتحدد - إلى حد بعيد - شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.