يواجه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في صنعاء محاولة للاستيلاء على مقره الرئيس، في تحرك يثير مخاوف من امتداد سياسة مصادرة المؤسسات المدنية وممتلكاتها إلى واحدة من أعرق المؤسسات الثقافية في البلاد، بما يهدد ما تبقى من المجال المدني وذاكرة اليمن الثقافية في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي.
وأفادت الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، هدى أبلان، بأن أشخاصاً حضروا إلى مقر الأمانة العامة للاتحاد في حي الرقاص بصنعاء، وحاولوا تسليم حارس المبنى أمراً قضائياً بإخلائه، إلا أنه رفض التوقيع أو تسلّم أي أوراق.
وتثير هذه الخطوة مخاوف من وجود مساعٍ تقف وراءها جهات حوثية نافذة للسيطرة على مقر الاتحاد وممتلكاته، خصوصاً في ظل اتهامات متواصلة للميليشيا بتوظيف مؤسسات الدولة وأجهزتها، بما فيها الجهات القضائية، في فرض واقع جديد على المؤسسات المدنية والمهنية والثقافية.
ولا تبدو خطورة التحرك في قيمة المبنى العقارية، بقدر ما تكمن في رمزيته؛ فمقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ليس مجرد عقار أو مساحة إدارية، بل أحد البيوت التي احتضنت الحياة الأدبية والثقافية اليمنية لأكثر من خمسة عقود، وضم مكتبة وأرشيفاً ومقتنيات تمثل جانباً من الذاكرة الثقافية الوطنية.
وأعلنت مكونات حقوقية ومدنية في صنعاء تضامنها مع الاتحاد وقيادته وأعضائه، محذرة من أي مساس بالمقر أو مكتبته وأرشيفه ومقتنياته، معتبرة أن الاستيلاء عليها يمثل اعتداءً على جزء من الذاكرة الثقافية والوطنية لليمن، وليس مجرد نزاع على ملكية عقار.
وتأسس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في أكتوبر 1970، ليصبح إحدى أقدم المؤسسات الثقافية التي جمعت أدباء وكتاب اليمن من شمال البلاد وجنوبها، قبل قيام الوحدة اليمنية بنحو عقدين. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، ارتبط الاتحاد بالدفاع عن حرية الإبداع والتعبير، وفتح مساحات للحوار والتعدد الثقافي والفكري.
ويرى مراقبون أن استهداف مقر الاتحاد، إن تأكدت إجراءات الإخلاء والمصادرة، يأتي ضمن مسار أوسع لتقليص استقلال المؤسسات المدنية والنقابات والاتحادات المهنية والثقافية، وإخضاعها لسلطة الأمر الواقع، بما يؤدي تدريجياً إلى تفريغ المجال العام من المؤسسات المستقلة التي ظلت قائمة رغم الحرب والانقسام.
وحذر الكاتب والإعلامي جمال حسن من محاولات وصفها بالخطيرة تقف وراءها دوائر قضائية في صنعاء لمصادرة مبنى الاتحاد، معتبراً أن التعامل مع المقر باعتباره مجرد أرض أو عقار يتجاهل قيمته الرمزية والثقافية، ويحول مؤسسة ذات تاريخ وطني إلى ملف عقاري يمكن التصرف فيه.
وقال حسن إن الخطر لا يتعلق بالمبنى وحده، بل بما يمثله من ذاكرة أدبية تمتد من أعلام اليمن في الأدب والفكر إلى الأجيال الحديثة، محذراً من أن المساس بالمقر ومكتبته وأرشيفه يعني، عملياً، استهداف جزء من تاريخ الأدب اليمني.
وتتضاعف حساسية القضية بالنظر إلى تاريخ مقر الأمانة العامة نفسه. ووفق الصحفي محمد عبدالوهاب الشيباني، جرى شراء المبنى عام 1993، وكان مكوناً من دورين، قبل شراء المبنى الشعبي المجاور وهدمه لتشييد قاعة مركزية بتمويل من الراحل أحمد جابر عفيف. وفي عام 1998، أسهم محسن العيني والسفير محمد محمد القوسي في إضافة دور جديد للمبنى وتجهيزه وتأثيثه، ليضم مكتبة مركزية ومكاتب إدارية لقيادة الاتحاد وموظفيه.
وتضع هذه التفاصيل محاولة الإخلاء المزعومة في سياق أكثر تعقيداً من مجرد إجراء قضائي؛ فالمقر تشكل عبر سنوات من مساهمات أدباء وشخصيات وطنية ومثقفين، وتحول إلى أصل رمزي للمؤسسة الثقافية التي يمثلها الاتحاد.
واللافت أن الحديث عن استخدام القضاء لإخلاء المقر يفتح سؤالاً أوسع حول استقلال المؤسسات القضائية في صنعاء، وحول مدى إمكانية استخدام القرارات والأوامر القضائية كغطاء قانوني لإعادة توزيع ممتلكات المؤسسات والأفراد وفق موازين القوة التي فرضتها ميليشيا الحوثي منذ سيطرتها على صنعاء.


>