من أرض شهداء الساحل الشمالي والجنوبي كتبت دماؤهم جملة "النصر للوطن"

@ نيوزيمن، كتب/ عبدالسلام القيسي: تقارير

2020-04-06 12:55:28

شهداء الساحل.. والكروش المتخمة

من أرض الشهداء أتحدث

كل الشهداء سوف يقتصون منك

أنت الذي لا نعرفك وتبرعت للكهنوت

بالرصاصة وبالخلف، لن تمر..

من جانب المقبرة، هذه التي جمعت أرواح الشهداء من كل اليمن، الصنعائي هنا والتعزي، هنا ابن ريمة، وشهيد إب، ابن الجنوب هنا، هنا المئات بل أكثر ممن انحدروا بسرعة للحفاظ على الكرامة، تركوا منازلهم، تركوا عائلاتهم، تركوا كل شيء وأراقوا أرواحهم في خريطة التعب الجمهوري، هنا حيث أقف الآن، على هذه الأرض الزاهرة بالشهداء.

الخيانة لا يجب أن تتحدث

العائدون بالخيانة، يحملون ذاكرة القتلى، القتلى الذين باعهم الوطن بحداد يسير، لا يحق لهم التحدث عن الساحل الغربي، فالحديث للشهداء.

العائدون من نهم هم الجبناء، مهدوا الموت للشهداء وعادوا يستمعون صرخات البيوت وعويل الصور، لا يحق لهم المتاجرة، فالشهداء هم كلمتنا.

الهاربون من الجوف، لصوص السلام، جمعوا أدمغة الموتى واشتروا لمعان الأوسمة وطقطقات الأحذية، لا يحق لهم، أبدا لا يحق، الشهداء لسان حال الجمهورية من المهرة إلى صعدة.

لا تعد من المعركة سليماً معافى، ولا تبتسم للعائلات الثكلى سوف يعتقدونك الرصاصة التي أطلقت من الخلف، بل أنت هي أنت هي، أنتم الخيانة التي قتلت الجمهورية، حديثكم باسم الجمهورية مهانة للوطن.

الحديث للشهداء

أنا شهيد، تركت منزلي، وزوجتي، وابنتي التي في رحم الحبيبة، وأمي، وكلبي المدلل، ومزرعتي، كنت في جبل من جبال ريمة، أعانق السحاب، الخضرة، الغيم، والحياة الخرافية، تركت غداء حبيبتي، ورائحة ولدي البكر، تخليت عن كلهم وهبطت إلى الساحل الغربي، لبيت نداء الكرامة، والجمهورية وقُتلت هنا، لكن عزائي أنني مهدت لولدي سبل الحرية.

يحدثني شهيد آخر من إب، هأنذا أسمعه، يقول لي: أنا من إب، حيث البلاد الخضراء، وجبل ربي، وأنا بيت نعمة، ركلت نعمتي، أتيت إلى بلد الغبار، والقض، والحر، والموت من أجل الجمهورية وكي نتخلص جميعاً من المليشيات، ويسألني، هل وصلتم صنعاء يا أخي، أخبرني؟ نعم وصلنا صنعاء، لم أرد قتله ثانية، لو علم أن هناك من يريد نبش مثواه لمات مرة أخرى، يموت من ألم أشد من موته بقناصة المليشيات، نعم في العاصمة.

كم بكيت وأنا أكذب عليه، تخيلت نفسي بمسرحية غوار، مسرحية كأسك يا وطن لكاتبها الماغوط وهو يحدث أباه إلى الجنة، من الأرض، أن الأرض العربية حققت كل أحلام الثورة التي سقط من أجلها، وددت إكمال النص المسرحي وإخبار الشهيد كما أخبره غوار عن كذبته فتراجعت، خفت أن ينهض ويلطمني، أن ينهض ويقتلني.

مررت جانب الشهداء، إنهم كثر، جميعهم سقطوا في ملحمة الكرامة، كلهم، من كل مدينة، شاهدت شاهد التعزي، بلكنته المعروفة، حدثني عن فرحه بانتصار الجمهورية وحدثته عن النصب الذي نصبناه له في ميدان السبعين، ففرح، سمعت طقطقات روحه وهي تتراقص، قال لي: بلغهم سلامي، من يا شهيدي؟ معارفي، ورفقاء الموت والحياة بالساحل، نعم.

لأجلهم كذبت: لن أقتلهم ثانية

هنا في هذه البقعة المسورة، هنا تضافرت الجهود، فمن ضحى ليس كمن شاهد، الفرق بين الشهيد والمشاهد، على الجميع معرفة ذلك، الشهيد هو من ضحى بروحه وترك بيته تشتاق له، المشاهد مثل المعمري الذي طار بأولاده الأربعة إلى هولندا وبريطانيا، من يحدث من، على الشهيد أن يحدث كل أحد منهم: نحن قتلنا، عودوا إلى الجبهة، هيا حان دوركم للتضحيات.

الكلام سهل، غير القتال، للمعمري كتبت هذا، لكل من ينكر تضحيات هؤلاء في الساحل الغربي، تعالوا يا شغمة المتاجرة، في الفيس بوك صفحة باسم كامل الخوداني، كامل ابن إب، اقرأوا ماذا كتب، بل دمعاته كتبت، الشهداء من بيته كتبوا، كتب الخوداني الذي دفن الأسبوع الأول ابن أخيه، وابن أخته من قبل، وقبل عام نجله الأكبر، وخمسين شهيدا من قريته.

كتب الخوداني

"بلغوا علي المعمري محافظ تعز الأسبق أن الساحل الذي يخشى عليه استيطان المقاتلين به خوف تغيير تركيبته السكانية المطالبة كذلك بمنع استيطان هذه الرجال التي حررت الساحل بدمائها بهذه الأراضي التابعة للدولة بعد بسطهم عليها والمسارعة بطردهم وبلغوه أن كامل الخوداني صاحب إب وطن ابنه وابن أخيه وابن أخته وأكثر من خمسين شخصاً من منطقته بهذه الأراضي، فليسارع بطردهم ولكن قبلها لي طلب بسيط، طلب إنساني يخبرني قبلها أبلغ كل أسرة شهيد وأبلغ إخوانهم الذين ما زالوا بالمتاريس حتى اللحظة ترك متارسهم والحضور لنقل جثامينهم واعادتهم إلى موطنهم الأصلي وبلدهم، كونه غير مرغوب بهم وحتى لا يغيروا التركيبة السكانية للميتين المدفونين لمقابر الساحل، وسلامتكم"..

من هم الشهداء؟

الشهداء: بريد الله العاجل، يعلمونا سر الفناء ويشطبون الجشع من وجهاتنا، الشهداء قناديل الله يضيئون الطرقات ويسكبون، في البرزخ، أرواحهم.

الشهداء: سدنة الفردوس، عندما نصل يأخذوننا إلى الأماكن الشاغرة ويسقون قلوبنا بالدهور ويقيمون حفل عشاء باذخ نشرب فيه نخب الكرامة.

الشهداء: شرفات المنازل، نرى منهم الطوابير المسلوكة إلى المجد، ينامون وأكفهم في الخارج، ربما ضل أحدنا الطريق فيؤونه، يريدون له الشهادة.

الشهداء: فهرسات البشر، ومهلة العصاة وللشهداء ممالك من شرف وتيجان منقوشة بالرصاص، يلبسون البياض وخواصرهم موثقة بالرفاق الذين بعد حين يلتحقون بهم صونا للكرامة.

الساحل الغربي وخريطة الوطن

الجنوبي استشهد في الساحل، هنا سقط الشمالي مع الجنوبي، وكتبت دماؤهم جملة واحدة، النصر للوطن، هنا في الساحل وهذه المقبرة تذكرتهم، دون الحاجة لتذكرة من أحد، فالعاقبة لهم، ولمن سار على دربهم، للذين يقاتلون فيقتلون البغي ويقتلون من أجل إنهاء الكهنوت، من هذه البلاد المحاصرة.

لن أهرب، أنا الطريق القاحل، هكذا يحدثني أحد المقاتلين، تلفظني المدن الساحرة وغباري يوسخ السبل المسودة ولون الديناصورات الاسفلتي، أنا الشارد، في هذا الكيف الموثق بالكرامة، أنقش نهايتي كل يوم وأشاهد بحميمية المكان الذي أنوي الموت فيه وقبري محفور في الجبهة الشاهقة.

أنا القتيل، في الخنادق الكئيبة أحيا ونصي الأخير سوف أكتبه على ناصية المترس وليكن دمي شاهداً وجداريتي محفورة بالرصاص وبأظهر الطغاة..

وللجنود هنا غصة

يذهب الجندي الفقير إلى الحرب.. يترك الأطفال بلا أبوة وجيوبهم فارغة من السكاكر وأمه العجوز لا تستطيع صعود درجات البيت.. وتخشى التسوق لوحدها؛ زوجته الجميلة وشراء حاجيات المنزل خوفاً من الأزقة وحفاظاً على الجنين، من المسافات، الجنين الذي لن يعرف أباه..

بينما الأثرياء ذوو العربات الفارهة يصطحبون عوائلهم إلى الحدائق وابن الحارة الغني يبرح صغير الجندي، المرابط في الساحل ضرباً، لتسديده ركلة هزت شباك المدلل، انتقاماً للكرة..

أما الزوجة تعرض فساتينها الأنيقة المواكبة للموضة وتصر على إيقاظ أنوثة الجارة التي لا تملك ثمن الرصيد الكافي للاطمئنان على الغائب في رحم البندقية وأولادها يحلمون بأحذية جديدة..

فما بال المعمري وأولاده في البعيد يتاجر بأرواح الشهداء وبغصة الأحياء في تخوم المعركة، ما باله؟