بوابة المدائن التهامية.. "حيس" النابضة بالحرية والحياة

المخا تهامة - الاثنين 29 نوفمبر 2021 الساعة 09:54 ص
نيوزيمن، كتب/ د. فاروق ثابت:

لحظات مع بزوغ الفجر المحمول على أمواج البحر في ساحل تهامة بصحبة فنجان "موكا" المدهش"، كفيلة بأن تمسح صدأ الدهر وعوادي السنين من على صدرك المنهك بضجيج ومآسي الحياة. 

 شيئا فشيئا حتى تبدأ حركة الصيادين تدب في المكان بصحبة تمتمات لا تخلو من مهاجلهم وادعيتهم المناجية الله هي مبعث اطمئنان للروح ومؤكدة بساطة الإنسان التهامي الذي فطر على الطيبة والشهامة وجمال الروح والخلق، وتوكله على الله. 

تشتد حرارة الشمس ثم تنسحب قليلا باتجاه اليابسة متجاوزا واحات وقرى التهاميين حتى تكون على موعد آخر مع الجمال.

 28 كيلو مترا فقط من الشاطئ باتجاه البر ستكون في ضيافة أجمل مدن تهامة.. 

الوديان الوارفة بالنخيل والخضرة ستكون في استقبالك أينما وجهت وجهك في ذلك المكان الجميل. 

الخضرة والأشجار والجداول والبساتين ستذهلك وستجعلك تدرك أنك في مكان ربما لم تره في اليمن من قبل، غير أن الوجوه السمراء في الحقول وعلى أطراف الوديان وبالقرب من أشجار النخيل ذكوراً وإناثاً وبأرواحهم الحميمية ستحسسك أن هؤلاء هم أهل لك وأقارب لم تزرهم منذ زمن. 

ستتعدد الوديان على يمينك ويسارك وأمامك وخلفك، وسوف لن تستطيع حفظ أو تذكر أسماء الأودية وأنت تمر من أمام كل هذا البذخ الإلهي الأخضر. 

فجأة ستحس أنك تهت في جنان الرب ولن تدري من أين جئت وكيف الخروج وأنت تمر من "وادي الفواهة" ثم "وادي نخلة" ف"وادي المرير" حتى وادي "ظما"..

كمية مهولة من الخضار والفواكه والنخيل تزخر به هذه الوديان اليانعة يقترن ذلك بكمية أكثر من بساطة أبناء حيس، وهو ما لا يتفق مع مقولة "الزنط الحيسي" الذي يتردد بين اليمنيين للتعبير عن غرور امرئ ما.

لا يقتصر عمل الحيسيين في الزراعة فحسب، ولكنهم يبرعون في صناعة الأواني الفخارية التي تُصَدَّر إلى كل اليمن ويعرفها القاصي والداني بطول البلد وعرضه. 

وبمجرد مرورك في المدينة ستلفتك محال وأفران الفخار أو الخزف الحيسي والتي باتت حديث وتدوين الكثير من الرحالة والدارسين والمسافرين والعاشقين هذه المنتجات.

وقد دَوَّن النعمي في حولياته نحو (72) معملا في المدينة تزخر بإنتاج الفخار الذي يُصَدَّر إلى كل محافظات اليمن، ودون شك أن العدد حالياً يفوق ذلك بكثير. 

عند الحديث عن "حيس" وفخارها وخزفها يتداعى إلى الذهن ما قاله الفقيه أبو بكر مهير فيها مشبها فناجين حيس بفناجين بلاد السند إذ قال:

"فناجين ذا السند فاقت بحسنها

على سائر الصناع في كل ناظر

وكم أمل الصناع إدراك مثلها

وما انقادت الآمال إلا لصابر".

وبالمناسبة فإن تسمية "حيس" لم يكن بسبب صناعتها للفخار ولكن الحيسي أتت تسميته إلحاقا بالمدينة التي أسميت نسبة إلى مؤسسها الملك الحميري حيس بن يريم بن ذي رعين بن شرحبيل الحميري.

وأما سكانها فهم يمنيون محض يعودون لقبيلة الأشاعر من بني عوف بن خولان. 

واسم حيس يستحضر لدي ما قاله الشاعر مسلم بن نعيم المالكي الحميري:

"أما ديار بنو عوف فمنجدة 

والعز قومي بحيس دارها الشغف

من بعد آطام عز كان يسكنها

منا ملوك وسادات لهم شرف".

حضرت حيس في التاريخ الإسلامي وكان الجامع الكبير أبرز ملامحها، وهو أحد المساجد الأثرية الشامخة التي تحكي الملامح والمآثر الإسلامية في المدينة، تشير المصادر إلى أن تأسيسه كان في عهد الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن رسول 647- 652 هجرية، وثمة نص كتابي في الجامع في جدار زاوية المدخل الأمامي يشير إلى عام الانتهاء من البناء.

فيما قلعة حيس التاريخية رغم ما يشوبها من إهمال وقد تعرضت لعوادي الدهر والسنين وتدخل الإنسان الجائر ونالت أيضا من "هاون" الحوثيين تؤكد عظمة الدولة الرسولية، والأهمية التي حازتها هذه المدينة.

لؤلؤة تهامة وقاعها الأخضر حُررت مؤخراً من يد المليشيا القادمة من كهوف التاريخ وعادت إلى أبنائها الطيبين البسطاء.

وتكمن أهمية المدينة أنها المفتاح الكبير والبوابة إلى "الجراحي" و"زبيد" وبقية المدن التهامية جنوبي مدينة الحديدة، وهي جغرافيا تجسد نقطة الوصل بين ثلاث محافظات، الحديدة وإب تعز. 


لقد تنفسنا الصعداء واستنشقنا عبير النصر من وديان حيس جنبا إلى جنب مع أبناء تهامة الطيبين وهم يبتهجون بعودة حيس إليهم وقد ابتلعت مليشيا الموت ونتطلع إلى تخليص تهامة ككل من إجرام السلالة الحوثية القادمة من كهوف التاريخ.