ثمة سؤال يفرض نفسه كلما تصاعد خطاب التشكيك في دول الخليج أو التقليل من تجاربها: لماذا يتحول نجاح دولة عربية في بناء الأمن والاستقرار والازدهار إلى مادة للخصومة لدى بعض العرب، بدلاً من أن يكون تجربة تستحق الدراسة والاستفادة؟
المسألة أعمق من خلاف سياسي مع هذه الدولة الخليجية أو تلك. فما نراه في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل والخطابات الأيديولوجية يتجاوز نقد السياسات إلى موقف سلبي من الخليج نفسه، من دوله وشعوبه ونماذجه الوطنية، بل ومن حقه في أن يختار طريقه ومصالحه وتحالفاته وفق رؤيته لمستقبله.
وبالتأكيد، لا أتحدث هنا عن العرب جميعاً. بين الخليج وبقية العالم العربي روابط تاريخية وإنسانية عميقة، وعاش ملايين العرب في دول الخليج وأسهموا في نهضتها وكانوا جزءاً من قصة نجاحها. الحديث هنا عن تيار في الوعي والخطاب العربي ما زال ينظر إلى الخليج من خلال تصورات صنعتها أيديولوجيات مضى على بعضها أكثر من نصف قرن.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نجحت تيارات قومية ويسارية وثورية في فرض قاموس سياسي قسم العالم العربي إلى “تقدميين” و”رجعيين”. كانت الجمهورية العسكرية تقدم باعتبارها رمزاً للتقدم، وكانت الملكيات الخليجية توضع في خانة الماضي.
ثم جاء التاريخ باختباره القاسي.
بعد عقود، لم يعد ممكناً الحكم على النماذج بالشعارات التي رفعتها، وإنما بالنتائج التي أنتجتها. هنا أصبحت الصورة مختلفة تماماً.
دول كانت تتحدث باسم الوحدة والتحرير والعدالة الاجتماعية دخلت في دوامات من الانقلابات والحروب الأهلية والانهيار الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة. وفي المقابل، بنت دول الخليج مجتمعات آمنة، ومؤسسات مستقرة، ومدناً حديثة، وتعليماً وبنية تحتية واقتصادات أصبحت جزءاً مهماً من النظام الاقتصادي العالمي.
هذه المقارنة ليست شماتة بأحد، ولا ادعاء بأن التجربة الخليجية بلا أخطاء. كل تجربة بشرية قابلة للنقد والمراجعة. لكن هناك حقيقة يصعب تجاوزها: الخليج نجح في مجالات أساسية أخفقت فيها تجارب عربية أخرى.
وربما هنا يبدأ الانزعاج.
فالنجاح الخليجي يضع كثيراً من المقولات الأيديولوجية القديمة أمام اختبار الواقع. إذا كانت “الرجعية” قد بنت دولاً مستقرة، وإذا كانت “الثورة” قد قادت في بعض الحالات إلى دولة منهكة، يصبح من المشروع أن نسأل: هل كانت المشكلة في شكل النظام، أم في نوعية الحكم وإدارة الدولة؟
لقد أصبح من السهل على البعض اختزال تجربة الخليج في النفط، وكأن اكتشاف مورد طبيعي يؤدي بصورة آلية إلى بناء مطارات عالمية، وجامعات، ومدن آمنة، واقتصادات مفتوحة، وصناديق سيادية، وبنية تحتية متقدمة.
لو كان النفط وحده يصنع النجاح لكانت كل الدول الغنية بالموارد الطبيعية نماذج للتنمية.
الفرق كان في إدارة المورد، وفي نوعية القرار، وفي بناء المؤسسات، وفي القدرة على التفكير لعقود مقبلة لا لدورة سياسية قصيرة.
وفي دولة مثل الإمارات، على سبيل المثال، لم يكن السؤال منذ بدايات الاتحاد كيف ننفق ما لدينا اليوم، وإنما كيف نبني دولة قادرة على الاستمرار غداً. ومن هنا جاء الاستثمار في الإنسان والتعليم والبنية التحتية والانفتاح الاقتصادي والعلاقات الدولية والتسامح المجتمعي.
هذا النوع من التفكير يمثل تحدياً مباشراً لثقافة سياسية عربية تعودت أن تفسر النجاح والفشل من خلال المؤامرة أو الشعارات أو استدعاء الماضي.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالدولة الوطنية.
لقد دخلت دول خليجية في مواجهة واضحة مع مشاريع أيديولوجية ترى أن ولاء الإنسان لتنظيم أو جماعة أو مشروع عابر للحدود يمكن أن يتقدم على ولائه لدولته الوطنية. وكانت جماعات الإسلام السياسي من أبرز من حمل هذا التصور.
بالنسبة لنا، الدولة الوطنية ليست مرحلة مؤقتة ولا هيكلاً إدارياً يمكن تجاوزه عندما تتعارض مصالحه مع مشروع الجماعة. هي الإطار الذي يحمي المجتمع ويحفظ الحقوق ويصون السيادة ويمنح المواطنة معناها.
وهنا كان الخلاف جوهرياً.
التنظيمات العابرة للحدود تحتاج مجتمعات قابلة للاختراق، وهويات وطنية ضعيفة، ودولاً يمكن ابتزازها باسم الدين أو القومية أو القضية. أما الدولة الوطنية الواثقة من هويتها ومؤسساتها فتمثل عقبة أمام هذا النوع من المشاريع.
لذلك لم يكن غريباً أن تصبح بعض دول الخليج هدفاً دائماً لحملات أيديولوجية منظمة.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الظاهرة مساحة جديدة وأدوات أكثر خطورة. فأي خلاف بين حكومتين يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى إساءة إلى شعب كامل. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع لهجة إنسان أو جواز سفره أو لباسه أو ثقافته باعتبارها مادة للسخرية والخصومة.
وهذه ليست سياسة.
هذه إساءة للعلاقة بين الشعوب.
وقد كتبت وقلت مراراً إن الشعوب يجب أن تبقى خارج الصراعات السياسية. الخلافات بين الدول تعالج بالدبلوماسية والمصالح والقانون، ولا ينبغي تحويلها إلى عداوات اجتماعية يتوارثها الناس بعد أن تنتهي أسبابها السياسية.
كما ينبغي أن نراجع فكرة أخرى ترسخت لدى البعض، وهي أن دول الخليج مطالبة دائماً بتمويل مشكلات العالم العربي.
لقد قدم الخليج لعقود دعماً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً وتنموياً لدول عربية عديدة. وهذا جزء من مسؤوليته تجاه محيطه، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى التزام مفتوح يجعل دولة ناجحة مسؤولة عن تعويض إخفاق دولة أخرى إلى ما لا نهاية.
المساعدات لا تبني دولة إذا لم يكن هناك إصلاح داخلي.
الأموال لا تعوض غياب الإدارة الرشيدة.
والدعم الخارجي لا يستطيع أن يحل محل المؤسسات الوطنية.
ومن حق دول الخليج، مثل أي دول مسؤولة، أن تضع مصالح شعوبها وأمنها ومستقبل أجيالها في مقدمة أولوياتها.
وعندما تغير سياساتها أو أدواتها وفقاً لذلك، فهذا ليس تخلياً عن العروبة، وإنما ممارسة طبيعية للسيادة.
وفي الوقت نفسه، علينا في الخليج أن ننتبه إلى مسؤوليتنا نحن أيضاً. النجاح لا يبرر الاستعلاء، والثروة لا تجعل شعباً أفضل من شعب، والاستقرار الذي نعيشه يجب أن يجعلنا أكثر فهماً لمعاناة الآخرين لا أقل.
لكن الاحترام يجب أن يكون متبادلاً.
من حق الجميع أن ينتقد سياسات دول الخليج. نحن لا نحتاج مديحاً ولا نطلب حصانة من النقد. لكن هناك فرقاً بين النقد وبين شيطنة المجتمعات، وبين الاختلاف السياسي وبين التحريض الثقافي والاجتماعي، وبين مساءلة قرار حكومي وبين إنكار حق شعب كامل في الاعتزاز بتجربته الوطنية.
وربما حان الوقت لأن يتوقف العقل العربي عن البحث الدائم عن تفسير خارجي لكل فشل داخلي.
الأسئلة التي تستحق النقاش اليوم مختلفة.
لماذا تنجح دولة في بناء مؤسسة بينما تفشل أخرى؟
لماذا تستطيع بعض المجتمعات حماية أمنها واستقرارها في منطقة مضطربة؟
كيف تتحول الثروة إلى تعليم واقتصاد وفرص للأجيال؟
ما الذي يجعل المواطن يثق بدولته ويدافع عن استقرارها؟
هذه هي الأسئلة التي تبني المستقبل.
أما اختزال تجربة الخليج في النفط، أو تفسير نجاحه بالمؤامرة، أو مهاجمة شعوبه لأن دوله اختارت مسارات سياسية لا تتفق مع أيديولوجيات البعض، فلن يغير شيئاً في الواقع العربي.
هناك درس ينبغي أن نفهمه بعد عقود من الأزمات: الدولة التي تحمي الإنسان وتوفر له الأمن والكرامة والفرصة وتبني مستقبله هي دولة تستحق الاحترام، مهما كان شكل نظامها السياسي ومهما كانت الشعارات التي اختارت ألا ترفعها.
لقد دفع العالم العربي ثمناً كبيراً عندما أصبحت الشعارات أهم من النتائج، والأيديولوجيا أهم من الدولة، والصراع أهم من الإنسان.
ودول الخليج اختارت في معظمها طريقاً مختلفاً: بناء الدولة، تعزيز الاستقرار، الاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم.
قد يختلف البعض مع هذه الخيارات، وهذا حقه.
لكن من يريد أن يفهم الخليج فعليه أن ينظر إلى ما تحقق على الأرض، لا إلى الصور القديمة التي صنعتها أيديولوجيات القرن الماضي.
فالخليج لم ينجح لأنه ابتعد عن العالم العربي، بل لأنه أدرك مبكراً أن خدمة الأمة تبدأ ببناء دولة ناجحة.
والعرب لا يحتاجون إلى أن يغضبوا من أي تجربة عربية ناجحة، بل يحتاجون إلى المزيد منها .
من صفحة الكاتب على إكس