فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

لماذا حرقوا كتبهم؟ التوحيدي مثالاً

الجمعة 03 ديسمبر 2021 الساعة 09:45 ص

حرق أبو حيان التوحيدي علي بن محمد بن العباس كتبه آخر أيامه، لكن من حسن حظنا أن معظم الكتب التي حرقها كان عند أصدقائه نسخ منها، مثل كتاب الإمتاع والمؤانسة، البصائر والذخائر، الهوامل الشوامل، وغيرها.

لما علم صديق له بتلك المحرقة، كتب إليه يعاتبه، فرد التوحيدي عليه: لي في ذلك قدوة! فالإمام سفيان الثوري مزق ألف جزء وطيرها في الريح.. أبو عمرو بن العلاء –وقد كان أعلم الناس بالعرب والعربية وبالقرآن والشعر- دفَن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر.. تاج الأمة الفقيه داود الطائي طرح كتبه في البحر.. يوسف بن أسباط وضع كتبه في غار وسد بابه.. وأبو سليمان الداراني رمى كتبه في تنور وسجره (حماه) بها.

الذين حرقوا كتبهم -ومثلهم الذين لم ينشروا مذكراتهم أو تآليفهم أو بعضاً منها- يفعلون ذلك لأسباب مختلفة: فهذا يعتقد أنه سوف يتسبب بأذى لأفراد أو فئة معينة، كما في مثال كتاب عضو قيادة مجلس الثورة محمد قائد سيف الذي قيل (مش وقت نشره الآن)، وذاك يفعل خشية إثارة فتنة مذهبية أو سياسية، وآخر يخشى أن تكون سببا في حتفه، أو ملاحقته من قبل السلطة، وربما فعل آخر ذلك لأسباب مرضية مثل الانتقام من الذات، أو حرمان الآخرين من علمه لاعتقاده أنهم غير جديرين به، وخامس يكون قد غير معتقداته التي كان يعتنقها، وقد قيل إن التوحيدي تصوف في آخر أيامه، فوجد أن تآليفه التي كتبها من قبل تتضمن أفكارا تتعارض مع مذهبه الجديد، وهو تفسير غير دقيق لأن التوحيدي اشتغل معظم دهره وراقاً (ينسخ الكتب)، وهذه المهنة أكسبته علوماً في مختلف الفنون، وقد وصفه ياقوت الحموي، فقال هو شيخ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء.

لكن ابن حيان التوحيدي لم يجبره شيء من ذلك.. فلماذا حرق كتبه إذن؟ يقول الدكتور حسين مروة ما مؤداه إن التوحيدي كانت لديه لهفة لحسن العيش والشهرة، لكنه أقام على الجوع أكثر أيامه، إذ كان يعمل وراقا (ينسخ الكتب) مقابل أجر زهيد، وكان يسمي حرفة الوراقين حرفة الشؤم، لقلة ما يكسبه المشتغل بها، وظل في دكاكين الوراقين مغمورا لا يهتم به أحد، حتى إنه لم يذكر في التراجم بين المشاهير، على الرغم من جودة معارفه وتآليفه في الأدب والفلسفة وعلم الكلام واللغة والنحو، والتاريخ والفقه. 

لقد سخط من ضيق عيشه، خاصة في آخر أيامه، وشعر أنه لم يلق التقدير الذي كان يتوق إليه.. ففي رده على صديقه الذي عاتبه على حرق كتبه، قال: عجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك.. يعني ما عذرتني وأنت قد عرفت أنها لم تفدني في تحسين عشتي.. وما دام الأمر كذلك فلن يفيد منها الذين لا يعرفون قدرها.

وبتعبيره: هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته، فأما ما كان سراً فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغباً، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالباً... على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم (أي طلباً للتقدير)، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحرِمت ذلك كله... وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علي لا لي.. وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة، فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ!