عبدالفتاح الصناعي

عبدالفتاح الصناعي

تابعنى على

الحوار الجنوبي وفرص السلام باليمن

Monday 05 January 2026 الساعة 05:40 pm

في ظل استمرار الأزمة اليمنية وتعقّد مساراتها السياسية والعسكرية والإنسانية، تمثل الدعوة السعودية لانعقاد الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض محطة بالغة الأهمية، ليس فقط على مستوى القضية الجنوبية، بل ضمن المشهد اليمني العام ومسارات البحث عن تسوية شاملة.

تكمن أهمية هذا الحوار في أنه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف الإقليمية واليمنية بأن الحوار السياسي، مهما كانت صعوبته، يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر واقعية مقارنة باستمرار دوائر التصعيد والصراع المفتوح. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد اللقاءات بحد ذاتها، بل في طبيعة الرؤية التي توجهها وفي قدرتها على تجاوز منطق المعالجات المؤقتة والتفاهمات التكتيكية التي أثبتت التجارب السابقة محدوديتها وسرعة انهيارها.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن التسويات الجزئية والاصطفافات المرحلية، وإن نجحت في خفض مستوى التوتر مؤقتًا، فإنها غالبًا ما تؤجل الانفجار بدل أن تعالجه من جذوره. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربة أعمق تضع القضية الجنوبية في إطارها الوطني الأوسع، بوصفها جزءًا من أزمة يمنية مركبة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وتاريخية متشابكة.

فالقضية الجنوبية لا يمكن مقاربتها بمعزل عن المسألة اليمنية الشاملة، ولا يمكن الوصول إلى حل مستدام لها دون معالجة تراكمات الانقسام والثأر السياسي والاجتماعي في مختلف مناطق البلاد، وبناء عقد وطني جديد يقوم على المصالحة والعدالة الانتقالية والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة.

كما أن أي مسار سياسي لا يستند إلى رؤية وطنية جامعة تعالج الأسباب البنيوية للصراع سيظل هشًا، مهما توفرت له النوايا الحسنة أو الضمانات المرحلية. فالتجربة اليمنية، شأنها شأن تجارب نزاعات عديدة في المنطقة، تؤكد أن الاستقرار لا يُبنى عبر تحالفات ضد طرف بعينه، بل عبر تفكيك منظومات الصراع نفسها، وفتح أفق حقيقي للتوافق الوطني.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الإقليمي في دعم مسارات التهدئة والحوار، ولا سيما الجهود التي بذلتها كل من سلطنة عُمان وجمهورية مصر العربية ودولة قطر ودولة الكويت، والتي أسهمت في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ودعم فرص الانفراج السياسي في لحظات مفصلية من الأزمة.

إن نجاح الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض لن يُقاس بعدد الصور أو البيانات الصادرة عنه، بل بمدى قدرته على الانخراط في مسار وطني أوسع يعيد تعريف الأزمة اليمنية بوصفها قضية دولة ومجتمع، لا مجرد خلافات بين أطراف سياسية. ومن دون هذا التحول الجوهري في الرؤية، سيظل خطر إعادة إنتاج الصراع قائمًا مهما تغيرت العناوين وتبدلت التحالفات.

من صفحة الكاتب على الفيسبوك