د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

من ابن زنبل إلى نابليون: من ينتصر في الحرب؟!

Monday 09 March 2026 الساعة 11:13 pm

ليس للحرب تقاليد تكتيكية وتسليحية ثابتة مقدسة. العصر والواقع الميداني هما من يفرضان الخطط والاستراتيجيات العسكرية. في كل مرة، بحيث تسقط التقاليد المتقادمة بشكل عفوي، وإلا أصبحت عبئا غبيا يتسبب بالهزيمة.

ومن هذا طُرق العرب في الحرب قبل وفي فجر الإسلام. كان العرب بمن فيهم النبي محمد (ص) وأصحابه. يهتمون في الحرب بفرق الخيالة والرماة. لكنهم يهتموت بشكل خاص بفرقة المشاة. ويفضلونها حتى على الخيالة في القتال، ربما لقلة الخيول، وبالتالي كانوا يلتزمون بصرامة برصّ المقاتلين المشاة في صفوف متحاذية متماسكة، وهو ما نص عليه القرآن في الآية: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}.

لاحقا كثرت الخيول، وتغيرت ميادين وأطراف وبيئات الحرب، وتغيرت معها خطط وأساليب الحروب. من حيث الكيف والكم، وتبين خلال المعارك مع الروم والفرس أن الصفوف المرصوصة تظهر المقاتلين قلة، وتعرقل الحركة، وهو ما جعل خالد بن الوليد ينحّي نظام الصفوف هذا جانبا، وجاء بنظام "الكراديس". 

لم يقل أحد عن خالد أنه خالف القرآن والسنة النبوية، بهذه "البدعة" العسكرية. بخلاف ما حدث لاحقا في قرون الانحطاط. 

في كتابه "واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني". يحكي المؤرخ المصري ابن زنبل الرّمّال. "1500 : 1572م". عن تاجر مغربي جاء إلى سلطان مصر والشام الملك الأشرف قانصوه الغَوْري، آخر ملوك دولة المماليك، وعرض عليه أن يبيعه قطعة سلاح ناري "بندقية". 

لم يكن المماليك يعرفون البندقية من قبل، فأراه إياها، وأخبره أن هذه البندقية قد ظهرت من بلاد البندقية، وقد استعملها جميع عساكر الروم والعرب. فأمره بأن يعلمها لبعض مماليكه، ففعل، وجيء بهم فرموْا بحضرته.. 

لم ينبهر قنصوة الغوري بهذا السلاح المتقدم الفتاك، وعلى العكس. أبدى استياءه، وقال للتاجر المغربي: نحن لا نترك سنة نبينا ونتبع سنة النصارى، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}، فرجع ذلك التاجر المغربي وهو يقول: من عاش ينظر إلى هذا الملك وهو يؤخَذ بهذه البندقية».

وبالفعل لم يلبث السلطان العثماني سليم الأول، أن غزا الشام ومصر، وبالأسلحة النارية حصد المماليك حصدا، وأسقط دولتهم. وقتل الملك قنصوة الغوري في معركة مرج دابق (922هـ ـــ1516م).

 ثم يصف ابن زنبل النهاية بقوله عن المماليك الذين لم يكونوا يحاربون بسوى السيف: "ولا ضرهم إلا البندق فإنه يأخذ الرجل على حين غفلة، لا يعرف من أين جاءه ، فقاتل الله أول من صنعها ، وقاتل من يرمى بها على من يشهد لله بالوحدانية ، ولرسوله بالرسالة".

بعد مقتل الغوري وسقوط بلاد الشام استولى السلطان العثماني سليم الأول على مصر، ومن بين كثير من أمراء المماليك الذين تم أسرهم، وجيء بهم إليه أمير مملوكي شجاع.اسمه كرتباي. وكان كرتباي يحقّر من شأن الجيش العثماني وسلاحه الناري، ودار بينهما - حسب ابن زنبل- حوار ساخن. تحدث فيه كرتباي أمام السلطان بفخر عن شجاعة المماليك وشدة بأسهم في القتال، وذم جيش الأتراك، وسلاح البنادق. بقوله: فقد لفقت لك العساكر من نصارى، ومن أروام وغيرهم، وجئت بهذه الحيلة التي تحيلت بها الإفرنج لما أن عجزوا عن ملاقاة العساكر الإسلامية، وهذه هي البندق التي لو رمت بها امرأة لمُنعت بها، وجاء في غضون كلامه: «فإن الملك لا يصلح إلا لمن يكون من الأبطال كما كان عليه السلف الصالح، ونحن لو اخترنا الرمي بها لما سبقتَ إليه، ولكن نحن قوم لا نترك سنة نبينا محمد، وهو الجهاد في سبيل الله بالسيف، والله يؤيد بنصره من يشاء. وكيف ترمي بالنار على من يشهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة".

استمع السلطان سليم لهذا الكلام بتعجب، وقال ساخرا: "حيث أن فيكم الشجعان والفرسان وأنتم على الكتاب والسنة كما زعمت فبأي سبب غلبناكم ومن أرضكم أخرجناكم واستعبدنا أولادكم وأفنينا جموعكم، وها أنت جئت أسيرا بين يدينا!". فقال الامير كرتباي: "والله ما أخذتم أرضنا بقوتكم ولا بفروسيتكم، وإنما ذلك أمر قضاه الله تعالى وقدّره في الأزل".!

ما نفهمه من هذا الكلام وغيره. أن البندقية والأسلحة النارية في نظر المماليك هي سلاح العاجز الجبان، وهو سلاح يصلح للنساء لا للرجال، وهو سلاح الإفرنج الكفار، وسلاح مخالف للسنّة النبوية، ومن الجريمة أن يوجهه المسلم ضد أخيه المسلم. وأن النصر والهزيمة أشياء مقدرة من الله، وأن هزيمتهم لم تتم بسبب بنادق الأتراك، بل بسبب مكتوب ومقدر منذ الأزل.!

وبالمناسبة انتشرت هذه اللوثة، حتى داخل الدولة العثمانية، ولاحقا قام بعض الفقهاء في عاصمة الدولة العثمانية بإقناع أحد السلاطين بأن ينزع من جيشه الأسلحة النارية. باعتبارها بدعة تتعارض مع سنن الإسلام في الحرب، واقتنع السلطان بهذا الهراء. حتى أنه أوشك أن يقوم بنزع بنادق جيشه، لولا فرقة الانكشارية الذين وقفوا في وجهه، وأخبروه أنهم لو تركوا بنادقهم فسيحصدهم الأعداء حصدا بهذه الأسلحة المبتدعة.!

كما استمرت أيضا. وانتشرت أكثر. فكرة أن الله يقف في صف المؤمنين، خلال الحروب. لمجرد أنهم مؤمنون، وهي فكرة تتعارض مع سنن الله في الصراعات والتدافعات الدنيوية البشرية، وكون الله لا يساعد من يساعد نفسه، ولا شك. تسببت هذه الفكرة التواكلية بكثير من الهزائم للمسلمين، خاصة في العصر الحديث، أقربها تفوق إسرائيل وانتصارها مرارا وتكرارا في حروبها ضد الجيوش والمليشيات العربية، فقط بسبب أن بنيتها وعقليتها العسكرية واقعية عملية مواكبة لأحدث تقنيات العصر.

بينما يظن العرب أن الله هكذا ببساطة يقف معهم. ويدعونه منذ البداية حتى اليوم. لتدمير إسرائيل وأمريكا واليهود والنصارى ومعظم العالم تقريبا، بينما يتكبدون الهزائم المتتالية. وهذا يذكّر في التاريخ العسكري الغربي الحديث. بسؤال شهير وجهه أحد الجنود الفرنسيين للقائد نابليون في معركة "واترلو" : هل الله معنا نحن الكاثوليك، أم مع الأنجليز البروتستانت !؟

فرد نابليون : إن الله مع أصحاب المدافع الكبيرة.