مختار الدبابي

مختار الدبابي

تابعنى على

لماذا الإمارات وقطر… وليس إيران

منذ ساعتان و 50 دقيقة

ينظر البعض من المؤثرين ومن النخب إلى الحرب الحالية ضمن معادلة مغلقة: أن تكون ضد إيران فأنت مع إسرائيل، معتبرين أن المعارك الكبرى تُقاس بمقاييس إستراتيجية، أي معارك الأمة، وأنه من الطبيعي أن تكون لأي حرب تجاوزات عرضية، في إشارة إلى العدوان على دول الخليج وتبريره بدل تفكيكه لمعالجته.

المعضلة الأولى أنه يتم النظر إلى إيران من زاوية وزنها ضمن الأمة الإسلامية أو العالم الإسلامي، وهما مصطلحان فضفاضان، فليس هناك أرضية إسلامية جامعة قد يلجأ إليها البعض كمظلة يحتمي بها أو يزايد من خلالها، لكنها على الأرض غير موجودة. ورغم وجود مشترك ثقافي إسلامي لدى ملايين الناس، إلا أن الدول تتعامل بمصالحها باعتبارها دولًا قُطرية وفق خرائط ما بعد الاستعمار.

البعض من تلك الدول يتحرك ككيانات صغيرة ومحدودة القوة، ومع ذلك يرفض أي اندماج أو الوقوع تحت حماية أي طرف تحت أي شعار عرقي أو ديني أو طائفي. وهناك نوع آخر من الدول يتصرف بالرجوع إلى مقوماته التاريخية التي تمنحه هوية أمة كاملة الشروط، مثل إيران وتركيا. هذه الدول تتحرك في الملفات الإقليمية وفق مصالحها، حتى وإن رفعت شعارات إسلامية شيعية أو سنية.

من المهم هنا التأكيد على أن الموقف من إيران لا تحكمه اعتبارات مذهبية مستمدة من مناخات الصراع التاريخي، بل يحتكم إلى قراءة سياسية لدورها في الإقليم وتنافسها، تمامًا مثل إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، على الاستفادة من الهشاشة الإقليمية والصراعات البينية ونشوء تيارات راديكالية يسهل استدراجها وتوظيفها.

الشارع العربي في الغالب يقف في صف أي جهة ترفع شعار محاربة إسرائيل ويصفق لها، وهو توجه مفهوم وناتج عن تراكم لعقود من الظلم، لكن هل كل من رفع الشعارات بشأن فلسطين طبّقها؟ تكفي تجارب صدام حسين وحكم عائلة الأسد ومعمر القذافي لنقف على حقيقة أن الأمر لم يتجاوز الشعارات.

هل القصة تتعلق فعلاً بتحرير فلسطين ووجود فيلق القدس؟ أم أن الشعار جذاب وذكي وأداة فعالة لتغذية النفوذ الإيراني الناعم وإعطائه دفعة قوية عبر مواجهة مكلفة؟ من حق إيران أن تفعل ما تريد لزيادة نفوذها عبر لعب ورقة فلسطين أو الورقة الطائفية، لكن من المهم الوقوف على ما وراء المشهد، وماذا تخفي السردية الإيرانية التي نجحت في اختراق وعي النخب العربية من يمينها إلى يسارها؟

هناك مفارقة تحتاج إلى تفكيك: هل يقبل الشارع العربي بالنموذج الإيراني، أي المنظومة الدينية الحاكمة وأدواتها الفكرية؟ وهل يمكن دعم تمدد إيران سياسيًا ومعارضته فكريًا ومذهبيًا؟ والمقصود هنا بالأدوات الفكرية للمذهب: ولاية الفقيه، المهدي المنتظر، والتشادور. والسؤال الأبرز: ماذا سيكون موقف المعارضات العلمانية العربية التي تصفق لإيران الآن؟ هل ستدعم تمدد نظام ولاية الفقيه وحكم الإسلام السياسي الشيعي في مناطق بشمال أفريقيا أو مصر والسودان؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا تقبل بإسلام سياسي وترفض آخر؟

الشيوعيون العرب يضعون اليد في اليد مع إيران. القوميون تناسوا العداء القديم وباتوا يصفقون لها. الإسلاميون يعيشون حالة اغتراب عميقة؛ قبل أشهر كانوا يلعنون إيران بسبب عدائها للرئيس السوري أحمد الشرع، وبقدرة قادر صاروا في صفها، مع أنها ما تزال على الخطاب نفسه.

هذا الموقف الملتبس طبع موقف الإسلاميين في المنطقة، وخاصة المنضوين تحت مظلة الإخوان المسلمين؛ موقف منحاز كليًا لإيران، وقد صدرت فتاوى وأشرطة فيديو ونصوص تعتبر أن الوقوف ضد نظام المرشد في طهران يساوي التحالف مع إسرائيل.

ويبلغ الاغتراب منتهاه مع حركة حماس، التي تجد نفسها في وضع معقد؛ فهي حليفة لإيران، وفي الوقت نفسه حليفة لقطر. أن تكون مع إيران يعني أن قطر سترفع عنها الغطاء وقد تدفع بعض قادتها إلى مغادرة الدوحة، ولأجل ذلك جاء بيان حماس قبل فترة مرتبكًا، فاقدًا للجرأة والوضوح.

الأمر لا يتعلق بمعارك التاريخ ولا باستدعاء الصراعات المذهبية؛ القراءة هنا تناقش تمدد النفوذ الإيراني في منطقة هشة ومتوترة، ما قد يساعد إيران على استثمار “النزال” مع أميركا وإسرائيل على أنه “نصر”، كما حصل عندما استفادت من مكاسب حزب الله في حرب 2006، وفي الاتفاق النووي عام 2015، حين استفادت من لزوجة الموقف الغربي لتدعيم نفوذها وتقوية أذرعها، وهو ما تظهر نتائجه منذ معركة “إسناد غزة” مع حزب الله والحوثيين.

واقعيًا، لا تقدر إيران على إفادة الدول العربية استثماريًا ولا على تقديم أسعار تفاضلية في النفط؛ ما تقدر عليه هو إرسال بعثات تعاون ثقافي والانفتاح على النخب واستضافتها في ملتقيات بإيران ضمن إستراتيجية اختراق. في المقابل، حصلت أغلب الدول العربية على دعم واسع ومتنوع منذ عقود من الدول الخليجية، التي تتعرض لعدوان إيراني ممنهج ومكشوف، في وقت تلازم فيه النخب العربية والشارع العربي صمتًا مثيرًا للتساؤل، خاصة أن الصمت على استهداف دول الخليج، وقبله الاختراق الواسع للعراق واليمن ولبنان وسوريا، سيدفع إيران إلى مزيد من الجرأة على دول أخرى تبدو بعيدة.

صحيح أن العلاقات العربية البينية لا تُقاس بالمنّ، لكنها تشترط في المقابل قيمة مهمة مثل التضامن، وهي قيمة تجعل الوقوف مع الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية وعُمان أولى بالتأكيد من التعاطف مع إيران، التي بدلًا من تركيز جهدها على الدفاع عن نفسها ضد الضربات الأميركية والإسرائيلية، عمدت إلى الانتقام من جيرانها واستهدفت مؤسسات مدنية ومنشآت اقتصادية بشكل متكرر.

يمكن للنخب العربية أن تتعاطف مع إيران في حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وأن تصفق لها وتتباين سرديتها، لكن من واجبها، إذا كانت نزيهة وتقف ضد الظلم، أن تعلن رفضها للعدوان غير المبرر على دول الخليج، وأن تشيد بعقلانية القرار الخليجي الذي أحبط خططًا لإغراق المنطقة في حرب بلا أفق وتحويلها إلى صراع مذهبي وطائفي.

الوقوف في صف الخليجيين يعطي فرصة أكبر لتمتين الصف العربي في مرحلة ما بعد الحرب، ويمكن أن يوفر مناخًا لتمتين العمل العربي المشترك وإخراجه من رفوف الجامعة العربية، وخلق دوافع تساعد على إنجاح أفكار ومبادرات تتعلق بالدفاع العربي المشترك.

إذا لم تنتهِ هذه الحرب إلى تمتين العلاقات العربية – العربية، فسيحصل نوع من التشظي والانشطار، تكون له عواقب كبيرة على مؤسسات العمل العربي المشترك والشراكات البينية. لكن الحقيقة أن العرب سيظلون، على المدى الإستراتيجي، في حاجة إلى بناء منظومات شراكة اقتصادية وعسكرية فعالة للحفاظ على كيانهم في مواجهة التنافس الإقليمي على مقدراتهم. لا شريك يمكن أن يدافع عن العرب سوى مظلة عربية، حتى وإن كانت في وضعها الحالي تثير الشفقة.

الشراكات الدفاعية الخارجية أثبتت أنها مهزوزة. أين الدول الإقليمية الكبرى التي لديها اتفاقيات دفاعية مع دول الخليج؟ لنأخذ مثال تركيا أو باكستان؛ فقد عقدت تركيا اتفاقيات متينة مع قطر خلال الأزمة الخليجية (2017 – 2020)، لكن خلال الحرب الحالية لم يُلاحظ أي وجود لها، عدا خبر مقتل جنود أتراك في سقوط مروحية قطرية في عملية روتينية.

كما جرى حديث كبير عن اتفاقية دفاعية بين باكستان والسعودية، لكن لم يُرَ لها أي أثر على أرض الواقع في هذه الحرب. وجرى أيضًا حديث عن اتفاق ثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، لكن لا حس له ولا خبر. والمفارقة أن كلاً من باكستان وتركيا تقدمان نفسيهما كوسيطين على المسافة نفسها بين الخليجيين وإيران، وهي مسافة بين طرف لهما معه اتفاقيات دفاعية من جهة، وطرف آخر يستهدف حلفاءهما بشكل عشوائي وعبثي فقط لإظهار قدرته على الانتقام.

في الأخير، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على انتصار هذا الطرف أو ذاك، بل على قدرة العرب على استعادة بوصلتهم، وبناء موقف عقلاني يوازن بين التعاطف المشروع مع القضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، وبين حماية فضائهم الإقليمي من مشاريع الاختراق والتفكيك.

وإذا كانت هذه الحرب قد كشفت هشاشة التحالفات الخارجية وحدودها، فإنها، في المقابل، أعادت التذكير بحقيقة بديهية طال تجاهلها: لا أمن للعرب إلا بالعرب، ولا استقرار دون تضامن فعلي يتجاوز البيانات إلى الفعل. عند هذه النقطة تحديدًا، نقول إننا في صف الإمارات وقطر وبقية الدول الخليجية المستهدفة، ولسنا في صف إيران.

* صحيفة العرب اللندنية