د. ابتسام الكتبي

د. ابتسام الكتبي

تابعنى على

من الهدنة إلى القواعد: لماذا لا تكفي صفقة مع إيران؟

Thursday 26 March 2026 الساعة 07:28 pm

ما يجري اليوم في الخليج والشرق الأوسط ليس مجرد حرب يجب احتواؤها، بل لحظة مفصلية تختبر شكل النظام الإقليمي المقبل. فالسؤال الذي يواجه صناع القرار لم يعد كيف تتوقف المواجهة مع إيران، بل أي قواعد ستُنظِّم التفاعلات في المنطقة بعدها. وإذا كان وقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، إلا أنَّه غير كافٍ لإعادة الاستقرار. فهذه الحرب لم تخلق اختلالات جديدة بقدر ما كشفت اختلالات قائمة: تسييس الممرات البحرية، وهشاشة تدفقات الطاقة، وتصاعد دور الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستمرار الفجوة بين الدبلوماسية الرسمية وحروب الوكلاء.

والأهم من ذلك، أن التجارب السابقة تُظهِر أن أي وقف إطلاق نار غير مشروط أو غير قابل للتحقق لن ينهي الصراع، بل سيُعيد إنتاجه، حيث تتحول فترات التهدئة إلى مراحل إعادة تموضع واستعداد لجولات لاحقة. وفي بيئة تتسم بتعدد الفاعلين وتداخل أدوات القوة، تصبح الهدنة غير المنضبطة أشبه بإعادة توزيع للمخاطر لا بإلغائها. ومن هنا، فإن أي تسوية لا تعالج هذه العوامل البنيوية لن تفعل أكثر من تأجيل التصعيد لا منعه.

من هنا، فإن ما هو مطلوب ليس اتفاقاً ضيقاً لوقف القتال، بل إعادة ضبط قواعد التفاعل الإقليمي أي الانتقال من إدارة الأزمات إلى تنظيمها، ومن توازنات مؤقتة إلى قواعد سلوك قابلة للتنفيذ. وهذا التحول لا يتعلق فقط بالأدوات، بل بإعادة تعريف ما يُعدُّ مقبولاً وغير مقبول في سلوك الدول والفاعلين ما دون الدولة.

الحاجة لتسوية ذات مصداقية وأكثر شمولاً

نقطة البداية المنطقية هي وقف إطلاق النار، لكن ليس بأي صيغة؛ فالمطلوب وقف منظم ومشروط، يقوم على التزامات واضحة وقابلة للتحقق، وإنهاء الضربات داخل أراضي الدول، ووقف استهداف البنية التحتية المدنية، خصوصاً الطاقة والكهرباء والمياه، وضمان أمن الملاحة البحرية. وهذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى خفض التصعيد، بل إلى عكس اتجاه خطير ترسّخ في خلال الحرب، حيث تحولت شرايين الاقتصاد إلى أدوات ضغط وإكراه. وإذا لم يُعالج هذا الاتجاه بشكل مباشر، فإنه سيُصبح سابقة تُقاس عليها أزمات لاحقة.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في مضيق هرمز؛ فهذا الممر، الذي يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد العالمي، أصبح محوراً للتجاذب السياسي، وتسييسه لا يشكل تهديداً إقليمياً فقط، بل خطراً مباشراً على استقرار النظام الاقتصادي الدولي، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد لاقتصادات آسيوية وأوروبية على تدفقات الطاقة عبره. لذلك، يجب أن تتضمن أي تسوية ذات مصداقية التزاماً صريحاً بإبقائه مفتوحاً بشكل كامل وغير منقطع، مدعوماً بآليات تنفيذ واضحة سواء عبر ترتيبات دولية أو تنسيقات إقليمية تضمن حرية الملاحة وتمنع إعادة تسييسه مستقبلاً. بعبارة أخرى، يجب إخراج هرمز من منطق المساومة، وتحويله إلى مرفق دولي محكوم بقواعد مستقرة لا يمكن إعادة التفاوض عليها مع كل أزمة.

غير أن تأمين الممرات البحرية، على رغم أهميته، لا يكفي لضمان الاستقرار. فقد كشفت هذه الحرب حدود المقاربات السابقة، وعلى رأسها الاتفاق النووي لعام 2015، الذي تعامل مع جانب واحد من التهديد، بينما ترك مصادر أخرى لعدم الاستقرار دون معالجة. واليوم، ما عادت هذه المقاربة الجزئية قابلة للاستمرار؛ إذ إن البيئة الاستراتيجية الحالية تتطلب إطاراً أكثر شمولاً يشمل القدرات الصاروخية، وحروب الطائرات المسيّرة، وأنماط السلوك الإقليمي. فالفصل بين هذه الملفات ما عاد يعكس طبيعة التهديد، بل يساهم في إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.

وفي هذا السياق، تبرز شبكات الوكلاء كأحد أكثر التحديات تعقيداً. فقد بنت إيران نفوذها الإقليمي عبر فاعلين ما دون الدول قادرين على العمل عبر حدود متعددة وبما يتيح لإيران نفي مسؤوليتها المباشرة عن أفعالها. هذا النموذج يخلق معادلة مزدوجة؛ تهدئة رسمية على مستوى الدول، يقابلها استمرار لعدم الاستقرار عبر قنوات غير مباشرة. كما يُضعف فعالية الردع التقليدي، ويجعل من الصعب تحديد خطوط المسؤولية والمساءلة. لذلك، فإن أي تسوية لا تتضمن التزامات واضحة تتعلق بوقف تسليح وتمويل وتوجيه هذه الشبكات ستبقى عرضة للاختراق من داخلها، حتى لو بدت مستقرة على السطح.

أهمية إشراك الفاعليين الإقليميين والضمانات طويلة الأمد

ومع ذلك، فإن أي إطار تفاوضي جاد لا يمكن أن يقوم على الإكراه وحده. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الاتفاقات التي تفتقر إلى حد أدنى من التوازن في الحوافز تكون قصيرة العمر. إيران، كأي دولة، ستسعى إلى مخرج يحفظ قدراً من موقعها الاستراتيجي، سواء عبر تخفيف العقوبات أو الحصول على ضمانات أمنية. وهنا تكمن حساسية التوازن؛ تصميم ضمانات متبادلة تقلل من دوافع التصعيد، دون أن تتحول إلى تنازلات غير مشروطة. المفتاح هو الانتقال من الثقة السياسية إلى الثقة المبنية على التحقق، عبر آليات متعددة المستويات تشمل الرقابة، والإنفاذ، وإمكانية إعادة فرض القيود في حال الإخلال.

ومن الأخطاء التي لا ينبغي تكرارها أيضاً حصر التفاوض في قنوات ضيقة؛ فإعادة تشكيل أمن الخليج لا يمكن أن تتم عبر مسار ثنائي بين واشنطن وطهران فقط، بينما تبقى الدول الأكثر تأثراً خارج المعادلة. إن أي تسوية ذات مصداقية واستدامة تقتضي العمل على مسارين متوازيين؛ مساراً دولياً يعالج القضايا الاستراتيجية الكبرى، ومساراً إقليمياً مباشراً بين دول الخليج وإيران، يركز على قضايا الأمن البحري، وعدم التدخل، وإدارة الأزمات. إن إشراك الفاعلين الإقليميين ليس مجرد خيار سياسي، بل شرط بنيوي لضمان استقرار أي اتفاق.

كما أن تصميم الحوافز الاقتصادية سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مدى صمود أي اتفاق. فقد أظهرت التجربة أن رفع العقوبات بشكل واسع ومسبق يخلق التزاماً قصير الأمد دون ضمانات طويلة الأمد. تكمن المقاربة الأكثر فاعلية في تخفيف تدريجي ومشروط، مرتبط بإجراءات قابلة للقياس، وقابل لإعادة فرض القيود في حال الإخلال. والهدف هنا ليس العقاب، بل خلق ديناميكية التزام مستمرة، حيث تصبح تكلفة التراجع أعلى من كلفة الامتثال.

إعادة التفكير في الأمن الإقليمي

تشير هذه العناصر مجتمعة إلى ضرورة إحداث تحول أعمق في طريقة التفكير في الأمن الإقليمي؛ بحيث يتم الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء قواعد سلوك واضحة وقابلة للتنفيذ. فالدبلوماسية، في هذا السياق، لا يجب أن تكتفي بإنهاء الحرب، بل أن تؤسس لنمط تفاعل يقلل من احتمالات اندلاعها مجدداً. 

وبالنسبة لدول الخليج، تمثل هذه اللحظة اختباراً وفرصة في آن واحد. فالحفاظ على نموذجها القائم على الترابط الاقتصادي وممرات التجارة، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد يتطلب بيئة أمنية أكثر استقراراً وقدرة على التنبؤ. وهنا تبرز إمكانية أن تتحول دول الخليج من أطراف متأثرة إلى فاعلين مساهمين في صياغة النظام الإقليمي الجديد، عبر الدفع نحو ترتيبات أمن جماعي أكثر تكاملاً، وتعزيز التنسيق في مجالات الدفاع الجوي والبحري، وربط الأمن بالاقتصاد ضمن رؤية استراتيجية واحدة.

في السياق الأوسع، تتجاوز الرهانات حدود هذه الحرب؛ فأي تسوية ضعيفة قد توقف القتال، لكنها ستُبقي المنطقة داخل دائرة عدم اليقين، وتفتح المجال أمام دورات متكررة من التصعيد والتهدئة. أما تسوية أقوى تعالج أمن الملاحة، وتوسّع قيود التسلح، وتضع ضوابط لشبكات الوكلاء، وتدمج الفاعلين الإقليميين فيمكن أن تضع الأسس لنظام أكثر استقراراً. ومن ثمَّ، فإنّ التحدي الحقيقي ليس في إيقاف القتال، بل في تغيير القواعد التي جعلته ممكناً منذ البداية. 

الخلاصة

يتطلب الانتقال من إنهاء الحرب إلى بناء استقرار مستدام إعادة صياغة شاملة لمقاربات الأمن الإقليمي. ويبدأ ذلك بتطوير إطار إقليمي–دولي مشترك يضمن أمن الملاحة في الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بما يفصلها عن التجاذبات السياسية ويُعيد تثبيتها باعتبارها ركيزة مستقرة في الاقتصاد العالمي. كما تفرض البيئة الحالية تجاوز المقاربة النووية الضيقة نحو إطار أمني أشمل، يأخذ في الاعتبار القدرات الصاروخية، وحروب الطائرات المسيّرة، وأنماط السلوك الإقليمي.

ولا يمكن لأي تسوية أن تكون قابلة للاستمرار دون إدماج ملف الوكلاء ضمن التزامات واضحة، تُعالج مسارات التسليح والتمويل والتوجيه، بما يمنع استمرار التصعيد عبر قنوات غير مباشرة. وفي الوقت ذاته، تظل فعالية أي اتفاق رهناً بتصميم حوافز اقتصادية تدريجية ومشروطة وقابلة للتراجع عنها في حال الإخلال بها، تضمن استدامة الالتزام وتحدُّ من مخاطر التراجع.

وأخيراً، فإن إعادة تشكيل الأمن الإقليمي لا يمكن أن تتم دون دور محوري لدول الخليج، ليس فقط بوصفها أطرافاً متأثرة، بل بصفتها فاعل أساسي في صياغة ترتيبات الأمن، بما يعكس وزنها الاستراتيجي ومصالحها المباشرة في استقرار المنطقة.

*مركز الإمارات للسياسات