د. محمد جميح

د. محمد جميح

تابعنى على

عن الذكاء الاصطناعي…هل ينهار سد يأجوج ومأجوج؟

منذ ساعتان و 14 دقيقة

كان قيس بن الملوح يقضي دهراً لا يرى ليلى العامرية، وكذا جميل بثينة وكثير عزة، ولذا حصلنا على أرق قصائد الغزل العذري. تطور الأمر فحصل شيء من الانفتاح مع مجالس أبي نواس وأضرابه فأصبح للقصيدة نكهة أخرى، حيث خرجت بروائح الشراب، وتقليعات الحسن بن هانئ، ثم تطورت القصيدة مع تطور الدفقات الشعورية، واختصرنا المسافات، وجاء جبران خليل جبران ومي زيادة، وغسان كنفاني وغادة السمان، وخرجت لنا أكثر المراسلات الغرامية إبداعاً وتألقاً، قبل أن يأتي «الواتساب» لتصبح «وسائل التواصل» رسل الغرام.

ثم جاء «الحب التكنولوجي»، وأصبح العاشق يرسل لمعشوقته «رسالة نصية»، عبر أي تطبيق، وجاء الذكاء الاصطناعي فاصطنع المشاعر والأحاسيس، ولم يعد العاشق بحاجة لكتابة كلمات الغزل لمن يحب، ولكنه يدخل على أي من تطبيقات هذا الذكاء، ليطلب منه إنشاء أي قصيدة أو نص جميل، فتخرج له أعذب الكلمات التي ترسل للمحبوبة، على شكل كتلة من الشعور الإلكتروني والحب المصطنع، والأحاسيس المعلبة.

وقبل أيام كنت استمع إلى أغنية بصوت شجي لمطربة لم أسمع بها، ولم أرها من قبل، لكنها كانت تؤدي أداء أسطورياً، ممزوجاً بإحساس لا يمكن وصفه، ناهيك على اللحن التراثي الذي أجريت عليه بعض التحديثات التي أضفت على الأغنية أبعاداً جمالية غاية في العمق والتطريب، قبل أن تأتي المفاجأة بأن المطربة واللحن والأداء والمشاهد، وكل هذا التطريب مولد بالذكاء الاصطناعي، وأن ما نرى ونسمع مجرد وهم في وهم، أريد لنا أن نعيشه، لصالح شركات تقتات بممارسة الخداع النفسي والذهني.

واليوم تُقدم مواقع الغرام الإكترونية فتيات في غاية الرقة والجمال، وعلى مستوى عال من الثقافة واللياقة، وهؤلاء الفتيات يمكن أن يكن بديلاً عاطفياً مناسباً لأولئك الذين يبحثون عن محادثات عاطفية، بمستويات مختلفة، ولا يعيب أولئك الفتيات إلا أنهن محض خيال، مجرد صور متحركة مولدة بالذكاء الاصطناعي، يمكنها أن تعطي من يحادثها شعوراً خادعاً بأنه في حضرة فتيات حقيقيات في غاية الجمال والإغراء في الوقت ذاته.

إننا اليوم بحق إزاء عالم افتراضي، لا يمت للواقع بأية صلة، عالم الذكاء الاصطناعي الذي يعني شيئاً فشيئاً القضاء على «الذكاء العاطفي»، عالم التواصل مع كائنات وهمية الذي يعني التقاطع مع الكائن البشري، وعالم الالتحام بالآلة الذي يعني الانفصام عن الواقع، وهذا مع الزمن سيشكل – وقد بدأ – مشاكل صحية: نفسية وجسدية وعقلية لا حصر لها، لأن الإنسان لا يكون إنساناً إلا وسط مجتمع، ينمي مهاراته، ويطور قدرات تواصله، وهو ما لا يتوفر له، عندما يعكف لفترات طويلة من الليل والنهار على مقابلة شاشة تلفون، يخاطب العدم، وينسج خيوط التواصل مع الأوهام.

وفوق ذلك هناك قدر كبير من الكراهية التي تبثها تقنيات التواصل، وقدر كبير من التزييف والتلاعب بالمعلومات، وانعدام الثقة، وزلزلة القيم، وتزييف الأخلاق، ونشر مشاهد العنف والرعب، وتطبيع الحرب والجريمة، وتوسع الجرائم الإلكترونية، وتزييف الوعي، وإعادة صياغة الأطر الذهنية والنفسية، كل ذلك يؤشر إلى معالم الخطر المقبل.

وعلى الرغم من العديد من المزايا التي يتوفر عليها الذكاء الاصطناعي من مثل المساعدة على زيادة الإنتاجية، وتقليل هوامش الخطأ، وتوفير الوقت والجهد، والاستمرار في العمل لأربع وعشرين ساعة، بدلاً من ثمان ساعات، ومواجهة معضلات قد يصعب على البشر مواجهتها، مع التميز بالموضوعية، وعدم التأثر بالتوجهات الذاتية، كما لدى البشر، وكذا العمل المذهل في التحليل والتقييم، وسرعة اتخاذ القرار والحصول على النتائج، على الرغم من ذلك وغيره إلا أن المخاطر الحقيقية لهذه التطبيقات تكمن في كونها تسلب الإنسان إنسانيته.

نعم إنها توفر بيئة مناسبة للقيام بمهام الإنسان، ومنحه وقتاً أوفر يمكن أن يقضيه في الاستثمار في رفاهيته وراحته، لكنها في الحقيقة تعطي الوقت، دون أن تحقق النتيجة، أو أنها توفر الفرصة، دون استغلالها، لسبب بسيط، وهو أن احتياجات الإنسان ليست مادية وحسب، ولذا سلب منا الذكاء الاصطناعي راحة البال، والسلام الداخلي الذي كنا نتذوقه، في لحظة استرخاء على شاطئ بعيد، دون أن نصطحب معها التلفونات الذكية التي سلبتنا ذكاءنا الفطري، بعد أن أصبحت جزءًا منا، أو بالأحرى، أصبحنا نحن جزءاً منها، حيث يبدو أن الإنسان ابتكرها ليتحكم فيها، ومع الزمن يبدو أنها بدأت التحكم فيه، بشكل مخيف.

الأمر ليس مجرد تفكير متشائم، ولكن كثيراً من رواد هذا المجال يبدون قلقاً متزايداً، لدرجة التحذير من انفلات التكنولوجيا إذا ما بلغت حداً من الذكاء يصعب معه السيطرة عليها، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى كارثة لا تقل عن الكوارث المتخيلة للحروب النووية، أو الأوبئة القاتلة.

مرة قال داريو أمودي المدير التنفيذي لشركة «آنثروبيك» المسؤولة عن تطوير روبوت الذكاء الاصطناعي «سوف يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء من «معظم البشر أو جميعهم» في معظم أو كل النواحي»، مشيراً إلى أن تلك التقنيات سيكون خطراً مشابهاً لخطر مواد التبغ والمخدرات.

وبغض النظر عن المخاوف المستقبلية للذكاء الاصطناعي، وعما إذا كانت تلك المخاوف حقيقية أو مبالغاً فيها، فإن ما نلمسه من أخطار حقيقية للتكنولوجيا الذكية يعد صرخة إنذار تشير إلى ما آلت إليه حياة الإنسان، مع وجود تلك الكائنات التكنولوجية التي منحته المزيد من الرفاه، ولكن مقابل المزيد من التشتت الذهني والعاطفي، والمشاكل الاجتماعية، والجرائم الإلكترونية، وانتهاكات الخصوصية، وغيرها من الجرائم التي لا تزال إمكانات الإنسان ضعيفة نسبياً في مواجهتها.

تحدثنا الأديان عن «يأجوج ومأجوج»، وهي مخلوقات مخيفة تخرج للإنسان، في آخر الزمان، تنشر الرعب، ويصعب السيطرة عليها، ويمكن للخيال أن يسرح فيرى الكائنات المولدة عبر الذكاء الاصطناعي على صورة يأجوج ومأجوج الذين يصعب التحكم بهم، إذا خرجوا بعد انهدام السد الذي يمنعهم من الخروج إلينا، أو لنقل بعد انهيار الجدار الفاصل بين الإنسان والسوبرمان.

من صفحة الكاتب على الفيسبوك