لا يمكن قراءة مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية بوصفها نهاية لصراع طويل، ولا باعتبارها تحولاً استراتيجياً مكتملاً في أمن المنطقة؛ فالأصحُّ أنَّها محاولة لوقف الانزلاق، أو هدنة سياسية تبحث عن فرصة كي تتحول إلى مسار أكثر ثباتاً. غير أن ما جرى مؤخراً في مضيق هرمز والبحرين والكويت أعاد طرح السؤال الأهم: هل نحن أمام اتفاق مؤقت يضبط التصعيد فعلاً، أم أمام نص دبلوماسي هشّ يطارده الميدان؟
هذه هي المعضلة التي تقرأ دول الخليج الاتفاق من خلالها؛ فهي ليست ضد التهدئة، بل ربما تكون الطرف الأكثر حاجة إليها. لكنها في ذات الوقت الطرف الأكثر تعرضاً لكلفة فشلها. فالجغرافيا الخليجية لا تقع خارج الصراع الأمريكي–الإيراني، بل في قلبه، القواعد العسكرية، والموانئ، وناقلات النفط، وخطوط الطيران، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، كل ذلك يتحرك فوراً مع أي اهتزاز في العلاقة بين واشنطن وطهران.
لذلك، فإن السؤال الخليجي لا يتوقف عند ما إذا كانت مذكرة التفاهم قد أوقفت المواجهة المباشرة بين الطرفين، بل يمتد إلى ما هو أبعد: هل توقف الصواريخ؟ هل تضبط المسيّرات؟ هل تحدّ من نفوذ الوكلاء؟ هل تحمي مضيق هرمز؟ وهل تمنع أن تتحول دول الخليج إلى ساحة رسائل عسكرية بين قوتين تتفاوضان في لحظة، وتتبادلان الضربات في لحظة أخرى؟
السلام الإقليمي والتهديدات الإيرانية
وفق البيان الأمريكي–الخليجي الصادر عقب الاجتماع الوزاري في المنامة في 25 يونيو 2026، رحَّبت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون بمذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية الموقعة في17 يونيو 2026، وأشارت إلى دور قطر وباكستان في الوساطة. لكن البيان لم يكتفِ بالترحيب، بل شدَّد على أن السلام الإقليمي يتطلب معالجة مجمل التهديدات المرتبطة بإيران، بما في ذلك الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، ودعم الوكلاء، إلى جانب ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ورفض أي رسوم أو محاولات لفرض السيطرة عليه.
هذه الصياغة تكشف جوهر الخلاف في قراءة الاتفاق المؤقت. فالملف الإيراني من زاوية خليجية، ليس ملفاً نووياً فقط. لا يكفي أن تتراجع احتمالات امتلاك إيران لسلاح نووي إذا بقيت أدواتها التقليدية وغير التقليدية حاضرة في المنطقة. فالمشكلة ليست في ما تُخصِّبه إيران وحده، بل في كيف تتصرف، وأين تضغط، وبأي أدوات تدير نفوذها.
من هنا، تبدو مذكرة التفاهم كأنها تُعالِج رأس الأزمة، لكنها لم تضبط أطرافها بعد. تَفتح باباً للدبلوماسية، لكنها لا تغلق كل أبواب التصعيد. تُخفف احتمالات الحرب الكبرى، لكنها لا تمنع الحوادث الصغيرة من التحول إلى أزمات كبيرة. وهذا تحديداً ما أظهرته التطورات الأخيرة.
فحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا تبدو التطورات الأخيرة سلسلة أخبار متفرقة بقدر ما تبدو مؤشراً واحداً على هشاشة الاتفاق المؤقت. فقد تتابعت خلال أيام قليلة حوادث بحرية في مضيق هرمز، وضربات أمريكية ضد أهداف إيرانية، واعتداءات بالمسيّرات أو الصواريخ طالت المجال الأمني الخليجي، ولاسيما البحرين والكويت.
والدلالة هنا لا تكمُن في تفاصيل كل هدف أو توقيت كل ضربة، بل في النمط الذي تكشفه هذه الحوادث؛ حادث بحري أو جوي يقود إلى رد عسكري، ثم إلى رد مقابل أو تهديد جديد، بما يُعيد المنطقة إلى منطق الرسائل العسكرية الذي كان يفترض أن تحدّه مذكرة التفاهم.
وفي هذا السياق، جاء بيان الحرس الثوري، كما نقلته وكالة فارس، ليُضيف بُعداً أكثر حساسية؛ إذ أعلن وفق روايته استهداف مواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في الكويت والبحرين، وربط ذلك بتفسير إيراني لترتيبات الملاحة في مضيق هرمز ووقف إطلاق النار.
مع ذلك، تظل الرواية الإيرانية عن حجم الأضرار في نطاق الادعاء غير المؤكد مستقلاً؛ فلا توجد رواية محايدة تثبت ما أعلنه الحرس الثوري عن تدمير مواقع متعددة، فيما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أمريكي عدم وجود تقارير عن خسائر أمريكية أو أضرار كبيرة في المنشآت الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، قدَّمت واشنطن ضرباتها الإضافية بوصفها رداً على تهديد الملاحة التجارية واستهداف السفن في محيط مضيق هرمز، ورفعت في الوقت ذاته سقف التهديد السياسي ضد طهران. وهكذا أصبح الخلاف لا يدور فقط حول من بدأ التصعيد، بل حول مَنْ يملك تفسير وقف إطلاق النار وحدود الرد عليه.
أمن الخليج والتفاهم الأمريكي-الإيراني
ما يَهمُّ دول الخليج في كل ذلك أن أمنها لم يعد هامشاً خارجياً لتفاهم أمريكي–إيراني، بل أصبح جزءاً من ميدان اختباره. فالمسيّرات والصواريخ لا تختبر التهدئة بين واشنطن وطهران وحدهما، وإنما تختبر سيادة الدول الخليجية، وأمن قواعدها وموانئها، وثقة الأسواق في بقاء مضيق هرمز ممراً آمناً لا ساحة ضغط وابتزاز.
من هنا يمكن فهم القلق الخليجي بصورة أعمق، فدول الخليج تريد التهدئة لأنها تحتاج إلى الاستقرار، لكنها لا تريد تهدئة تمنح إيران فرصة لإعادة التموضع من دون تغيير سلوكها. وتُريد استمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنَّها لا تريد أن تصبح رهينة لتفاهمات أمريكية–إيرانية تُصاغ فوق جغرافيتها. وتريد الحوار مع إيران، لكنها لا تريد حواراً يشرعن أدوات الضغط بدل أن يضبطها.
هذه ليست معادلة سهلة، فدول الخليج لا تستطيع أن تغيّر جغرافيتها، ولا تستطيع أن تتجاهل إيران، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تقبل بأن يتحول أمنها إلى تفاصيل ثانوية في اتفاق بين واشنطن وطهران. لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية لا تقوم على رفض مذكرة التفاهم ولا على منحها ثقة مجانية، بل على طرح سؤالٍ مشروع: ما الذي يجعل هذا الاتفاق المؤقت قابلًا لإنتاج استقرار حقيقي؟
الجواب يبدأ من إدخال الأمن الخليجي في قلب الترتيبات، لا في هوامشها. لا يمكن فصل الملف النووي عن الصواريخ، ولا الصواريخ عن المسيّرات، ولا المسيّرات عن الوكلاء، ولا كل ذلك عن مضيق هرمز. فالمنطقة لا تتعامل مع تهديد واحد، بل مع منظومة ضغط متداخلة؛ بحر، وسماء، ووكلاء، وقواعد، وتجارة، وطاقة.
أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى آليات تَحقُّق تتجاوز الملف النووي، وإلى ترتيبات أمن بحري لا تسمح لأي طرف بفرض قواعد عبور منفردة في هرمز، وإلى إشراك فعلي لدول الخليج في أي تفاوض يَمُسُّ أمنها المباشر. كما تحتاج إلى ربط أي مكاسب سياسية أو اقتصادية تحصل عليها إيران بتغير ملموس في سلوكها الإقليمي، لا بمجرد التزام لفظي بتهدئة مؤقتة.
تفاهُم تحت الاختبار
السؤال الأصعب، إذاً، لا يتعلق فقط بما إذا كانت الهدنة ستصمد، بل بطبيعة الترتيب الإقليمي الذي قد تنتجه إذا صمدت. فوقف التصعيد لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى قبول بالأمر الواقع الإيراني في المنطقة، بينما تبقى مصادر القلق الخليجي بلا معالجة. فالصواريخ، والمسيرات، والجماعات المسلحة، واستخدام مضيق هرمز ورقة ضغط، لا يمكن التعامل معها بوصفها قضايا ثانوية بمجرد إعادة فتح المسار النووي. ومن منظور دول الخليج، فإن اختبار مذكرة التفاهم لا يقتصر على قدرتها على منع جولة جديدة من التصعيد، بل يتصل بقدرتها على إنتاج إطار يربط التهدئة بضبط السلوك، والتحقق، والضمانات الأمنية الموثوقة. ومن دون هذا الربط، قد تنتقل المنطقة من مواجهة مفتوحة إلى توازن أكثر هدوءاً، لكنَّه لا يقل هشاشة؛ إذ تتراجع الأزمة المباشرة، بينما تبقى أدوات الضغط الأساسية قائمة.
ولا يعني ذلك أن مذكرة التفاهم بلا قيمة، فوجود تفاهم، حتى لو كان هشاً، أفضل من فراغ كامل. لكنَّه يعني أن قيمة الاتفاق لا تكمن فيما يعلنه الدبلوماسيون، بل بما يحدث بعده: هل تتوقف المسيّرات؟ هل تبقى السفن آمنة؟ هل تنخفض احتمالات الرد المتبادل؟ هل يتحول مضيق هرمز من نقطة ابتزاز إلى ممر آمن؟ وهل يشعر الخليج أنه شريك في الترتيبات لا مجرد ساحة لتداعياتها؟
الأحداث الأخيرة تقول إن الجواب لم يحسم بعد. فالمنطقة لم تخرج من منطق الرسائل العسكرية. لا يزال البحر قابلاً للاشتعال، ولا يزال المجال الجوي مفتوحاً على الخطر، ولا تزال الضمانات السياسية أقل من مستوى المخاوف الأمنية. لذلك، فإن مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية تبدو حتى الآن أقرب إلى فرصة مشروطة، منها إلى سلام مكتمل.
الخلاصة
لا يحتاج الخليج إلى اتفاق يُجمِّل الأزمة الإيرانية القائمة، بل إلى اتفاق يغيّر سلوكها. لا صواريخ فوق المدن، لا مسيّرات فوق الحدود، لا وكلاء يتحركون بالنيابة، لا مقذوفات في مضيق هرمز، ولا تفاهمات كبرى تُصاغ من دون حضور الدول التي ستدفع الثمن الأول عند أي إخفاق.
بعد مجمل الحوادث البحرية والجوية التي امتدت من مضيق هرمز إلى المجال الأمني الخليجي، ومع تبادل واشنطن وطهران الاتهامات بشأن خرق وقف إطلاق النار، أصبح الاختبار أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ إما أن تتحول مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية إلى إطار يفرض قواعد اشتباك جديدة ويمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، أو تبقى مجرد هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول شرارة في الخليج.
*مركز الإمارات للسياسات
>
