د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

بيت العائلة الإبراهيمية والديانة الإبراهيمية: حين يصبح توضيح المفاهيم ضرورة

منذ ساعة و 12 دقيقة

من أكثر القضايا التي تعرضت لسوء الفهم خلال السنوات الأخيرة الخلط بين بيت العائلة الإبراهيمية الذي أنشأته دولة الإمارات، وبين ما يُتداول تحت مسمى الديانة الإبراهيمية. وقد أدى هذا الخلط، سواء عن قصد أو عن جهل، إلى انتشار تصورات غير دقيقة، استغلتها بعض الجهات لإثارة الشكوك حول مشروع إماراتي يقوم في جوهره على ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل.

إن أول خطوة نحو أي نقاش مسؤول هي التمييز بين المفاهيم وعدم تحميل المبادرات ما لا تقوله ولا تهدف إليه.

بيت العائلة الإبراهيمية ليس مشروعاً دينياً لإنشاء دين جديد، ولا يسعى إلى دمج العقائد أو إلغاء الفوارق العقدية بين الإسلام والمسيحية واليهودية. بل هو فضاء حضاري يجسد احترام أتباع الديانات الإبراهيمية لبعضهم بعضاً، ويؤكد أن الاختلاف الديني لا يمنع التعاون الإنساني، ولا يحول دون بناء مجتمعات يسودها الأمن والسلام.

وقد جاء تصميمه ليضم مسجداً وكنيسة وكنيساً، لكل منها استقلاله الكامل في العبادة وإدارة شؤونه الدينية، دون أي دمج في الطقوس أو العقائد. فلكل دين عبادته، ورموزه، ومرجعياته، وتعاليمه التي تُمارس باستقلال تام.

أما ما يسمى بـ”الديانة الإبراهيمية”، فهو مصطلح استُخدم في بعض الكتابات والأطروحات الفكرية للإشارة إلى تصورات تدعو إلى تجاوز الفوارق العقدية بين الأديان أو صياغة إطار ديني جديد يجمع بينها. وهذه أفكار تختلف مدارسها وتوجهاتها، ولم تتحول إلى مشروع ديني معتمد، كما أنها ليست جزءاً من سياسة دولة الإمارات، ولا تعبر عن فلسفة بيت العائلة الإبراهيمية.

إن الفرق بين الأمرين واضح. بيت العائلة الإبراهيمية يدعو إلى التعايش بين الأديان، بينما فكرة الديانة الإبراهيمية، كما يطرحها بعض منظريها، تتحدث عن دمج أو تجاوز الأديان. وبين التعايش والدمج فرق جوهري لا يجوز إغفاله.

التعايش يعني أن يحتفظ كل إنسان بعقيدته كاملة، وأن يحترم في الوقت نفسه حق الآخرين في ممارسة معتقداتهم، وفق القوانين والأنظمة التي تنظم الحياة المشتركة. أما الدمج العقدي فيعني تجاوز الخصوصيات الدينية، وهو أمر لا يتوافق مع طبيعة الأديان نفسها، ولا مع حرية الاعتقاد التي تقوم على احترام اختلاف المعتقدات لا إلغائها.

منذ تأسيسها، تبنت دولة الإمارات رؤية واضحة في هذا المجال، تقوم على حماية دور العبادة، وصون الحرية الدينية، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف. ولم يكن ذلك يوماً دعوة إلى توحيد الأديان، بل إلى تنظيم العلاقة بين أتباعها على أساس المواطنة وسيادة القانون والكرامة الإنسانية.

ومن يراجع الخطاب الرسمي الإماراتي، أو الوثائق المنظمة لبيت العائلة الإبراهيمية، لن يجد دعوة إلى إنشاء دين جديد، وإنما سيجد تأكيداً مستمراً على الحوار، والتفاهم، والتعاون في خدمة الإنسان، مع احترام استقلال كل دين وعقيدته.

إن الخلط بين الحوار العقدي والذوبان العقدي، أو بين التعايش والتوحيد الديني، لا يخدم الحقيقة، بل يفتح الباب أمام حملات التضليل التي تستثمر في إثارة المخاوف وإنتاج الاستقطاب.

لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي تعرف كيف تدير اختلافاتها هي الأكثر استقراراً، وأن احترام التعددية الدينية لا يضعف الإيمان، بل يعزز الثقة بالنفس، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على التواصل دون أن يتنازل عن معتقده.

واليوم، في عالم تتزايد فيه الصراعات ذات البعد الديني والهوياتي، تبرز الحاجة إلى مبادرات تبني الجسور بين البشر، لا إلى مشاريع تذيب الفوارق بينهم. فالأديان ليست مطالبة بأن تصبح ديناً واحداً، وإنما المطلوب أن يتعلم أتباعها كيف يعيشون معاً بسلام، وأن يتعاونوا فيما يحقق الخير المشترك، مع بقاء كل دين محافظاً على عقيدته وخصوصيته.

إن بيت العائلة الإبراهيمية يمثل هذا النموذج الحضاري؛ نموذج يؤمن بأن قوة المجتمعات لا تأتي من إلغاء الاختلاف، بل من إدارة الاختلاف باحترام ومسؤولية. أما ربطه بما يسمى بالديانة الإبراهيمية، فهو قراءة غير دقيقة للمشروع، لا تستند إلى أهدافه المعلنة، ولا إلى الواقع الذي يقوم عليه.

وفي زمن تنتشر فيه المعلومات بسرعة، تصبح مسؤولية النخب والمثقفين والإعلاميين مضاعفة في تحري الدقة، لأن حماية الحقيقة تبدأ بحماية المفاهيم. وعندما تتضح المفاهيم، يصبح الحوار أكثر نضجاً، وتصبح الثقة أقوى، ويصبح السلام أقرب إلى أن يكون ثقافة راسخة، لا مجرد شعار

من صفحة الكاتب على إكس