اتساع دائرة الفقر يدفع الأسر اليمنية إلى التسوّل.. الحرب الحوثية عمّقت المأساة
السياسية - منذ 7 ساعات و 3 دقائق
في بلدٍ أنهكته الحرب العبثية التي أشعلتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، لم يعد الفقر مجرّد تحدٍ اقتصادي بل تحوّل إلى مأساة إنسانية تتجلى في مشهد آلاف الأسر وهي تفترش أرصفة المدن طلبًا للصدقات. ومع انعدام المرتبات وغياب سبل العيش، أصبح التسوّل خيارًا قاسيًا تلجأ إليه عائلات فقيرة لتوفير لقمة العيش، في ظاهرة آخذة بالاتساع تعكس حجم التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب اليمن خلال سنوات الحرب.
تقول أم عبدالله، وهي نازحة من محافظة الحديدة وأم لثلاثة أطفال: "بعد أن فقدت زوجي بسبب الحرب الحوثية على قريتنا بالحديدة، وجدت نفسي بلا معيل ولا مصدر دخل. لم يبقَ أمامي سوى التسوّل لتأمين قوت أطفالي. نجوب الشوارع حتى ساعات متأخرة بحثًا عن مبالغ زهيدة بالكاد تكفي لوجبتين في اليوم الواحد، لنعود في اليوم التالي من جديد بحثًا عن طعام يسد جوع أبنائي."
هذه الشهادة الإنسانية ليست سوى مثال واحد من آلاف القصص المماثلة التي باتت واقعًا يوميًا في مختلف المدن اليمنية.
النساء في واجهة الفقر والتسوّل
تتصدر النساء واجهة معاناة الفقر في اليمن، إذ وجدن أنفسهن مجبرات على انتهاج "استراتيجيات تأقلم سلبية" أبرزها التسوّل في الشوارع لتأمين قوت أبنائهن. وتصف بعض النساء وضعهن بقولهن: "نخرج للتسول ليس برغبتنا، وإنما بدافع الجوع والبحث عن قيمة الطعام ومصاريف أطفالنا، فلا نملك ما نأكله أو نشربه حتى مع مد اليد للناس."
وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن نحو 26% من الأسر النازحة في اليمن تعيلها نساء، فيما تشكل النساء والأطفال 77% من إجمالي النازحين، ما يفسر ارتفاع أعداد النساء الفقيرات المعيلات اللواتي يواجهن خيارات قاسية بين "التسول أو الجوع". كما كشف معهد صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن فرص العمل المتاحة للنساء تراجعت بنسبة 28%، مقارنة بـ11% فقط للذكور، ما ضاعف من هشاشتهن الاقتصادية.
ويرى ناشطون حقوقيون أن هذه الظاهرة تفاقمت بفعل الحرب الحوثية التي قتلت آلاف المعيلين من أرباب الأسر، وتركت النساء في مواجهة أعباء إعالة أطفالهن في ظل غياب فرص العمل، خاصة مع تعليق مشاريع التمكين الاقتصادي وتقليص أنشطة الإغاثة الأممية خلال العامين الماضيين بسبب شح التمويل وقيود الميليشيات. وهو ما جعل آلاف اليمنيات أمام معادلة قاسية: إما التسوّل أو الجوع.
نسب مرتفعة
وبحسب تقرير حديث لبرنامج الغذاء العالمي (WFP)، فإن نحو 10% من الأسر اليمنية لجأت إلى التسوّل لتلبية احتياجاتها الغذائية خلال يوليو/تموز 2025، مع تسجيل نسب مرتفعة في خمس محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين، وهي: ذمار، عمران، البيضاء، حجة، والجوف، حيث تراوحت نسبة الأسر التي اعتمدت على التسوّل بين 8% و11%.
وأشار التقرير إلى أن الكثير من العائلات اضطرت إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية لمواجهة النقص الحاد في الغذاء، من بينها تقليص عدد الوجبات اليومية أو الاعتماد على بدائل طارئة. وسُجّل هذا الاتجاه بشكل أوسع في مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 46%، مقابل 38% في المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة الشرعية، فيما ارتفعت النسبة إلى 58% بين الأسر التي تعولها نساء، مقارنة بـ42% للأسر التي يعولها رجال.
وأكد البرنامج الأممي أن تكلفة سلة الغذاء القياسية في مناطق الحوثيين ظلت عند مستويات مماثلة للعام الماضي، إلا أن القدرة الشرائية للأسر تراجعت بشكل حاد نتيجة فقدان مصادر الدخل والتضخم الخفي، ما جعلها عاجزة عن توفير ما يكفيها من الغذاء.
تلاشي المساعدات
ويرى مراقبون أن توسع ظاهرة التسوّل مؤشر خطير على الانهيار المعيشي الذي أنتجته السياسات الحوثية، بدءًا من نهب المرتبات وعرقلة المساعدات الإنسانية، وصولًا إلى التحكم في الأسواق وفرض الجبايات. وهو ما يدفع ملايين اليمنيين إلى البحث عن حلول قاسية للبقاء على قيد الحياة.
ويشير الناشط الحقوقي محمد سعيد بن مزاحم إلى أن الفقر والبطالة وصعوبة الحصول على فرص العمل تعد من أبرز الأسباب التي دفعت الكثير من اليمنيين، خصوصاً النساء، إلى اللجوء للتسول، محمّلاً الحرب الحوثية المسؤولية عن تدمير مصادر الدخل وقتل العديد من أرباب الأسر. ويضيف أن النساء تحمّلن أعباء رعاية أسرهن في ظل غياب المعيل، بينما أصبحت فرص العمل شبه مستحيلة أمامهن، لاسيما لمن لا يمتلكن مؤهلات علمية.
كما لفت إلى أن مشاريع التمكين الاقتصادي التي كانت تُنفذ في السابق وساعدت بعض الأسر على تأسيس مشاريع صغيرة وتأمين دخل، تلاشت خلال العامين الأخيرين مع تدهور الوضع الإنساني وتقليص أو تعليق معظم الوكالات الأممية والدولية لأنشطتها بسبب نقص التمويل، وفي مقدمتها برنامج الأغذية العالمي. وأدى توقف الدعم الدولي وتراجع الأنشطة الإغاثية إلى مضاعفة معاناة الفقراء، ليجد كثير من النساء أنفسهن أمام خيار قاسٍ لا مفر منه: إما التسول أو مواجهة الجوع.
في ظل هذه الأوضاع، تتواصل الدعوات للمنظمات الدولية والمجتمع الدولي لمضاعفة الدعم الإنساني والإغاثي لليمن، مع التأكيد على أن المعالجة الجذرية لأزمة الفقر والتسوّل لن تتحقق إلا بإنهاء الحرب واستعادة الدولة لمسؤولياتها في دفع الرواتب وتوفير فرص العمل وضمان حياة كريمة للمواطنين.