الفراغ الأمني في حضرموت والمهرة.. مخاوف من عودة القاعدة إلى معاقله السابقة

السياسية - Wednesday 07 January 2026 الساعة 02:44 pm
المكلا، نيوزيمن، خاص:

يثير الحديث عن انسحاب أو إعادة تموضع القوات الجنوبية من محافظتي حضرموت والمهرة قلقًا واسعًا في الأوساط الأمنية والمجتمعية، في ظل مخاوف حقيقية من أن يؤدي ذلك إلى فراغ أمني خطير قد تستغله الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، للعودة إلى مناطق كانت تمثل له ملاذات آمنة خلال سنوات ماضية.

وتُعد حضرموت والمهرة من المحافظات ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة، بما تحتويه من صحارى واسعة وأودية متشعبة ومناطق جبلية وعرة، وهي عوامل طالما استغلها التنظيم لإعادة الانتشار والاختباء، قبل أن تنجح القوات الجنوبية، بدعم مباشر وفاعل من دولة الإمارات في دحره وطرده من أبرز معاقله.

وخلال الأعوام الماضية، شكّلت العمليات الأمنية والعسكرية التي نفذتها قوات النخبة الحضرمية والقوات الجنوبية عمومًا نموذجًا ناجحًا في مكافحة الإرهاب، حيث تمكنت من تحرير مدينة المكلا عام 2016، وتفكيك شبكات تنظيم القاعدة في الساحل والداخل، وصولًا إلى ملاحقة عناصره في الصحاري والأودية.

وجاء هذا النجاح ثمرة شراكة استراتيجية مع قوات التحالف العربي بقيادة السعودية ومشاركة فاعلة من القوات الإماراتية التي لعبت دورًا محوريًا في دعم وتدريب وتأهيل هذه القوات، ضمن الحرب الإقليمية والدولية على الإرهاب، وهو ما أسهم في تحقيق حالة من الاستقرار غير المسبوق في حضرموت والمهرة، بعد سنوات من الفوضى الأمنية.

وتحذر تقارير أمنية من أن التحركات الإخوانية الأخيرة ضد القوات الجنوبية وإجبارها للإنسحاب من مواقعها، دون وجود بدائل جاهزة وقادرة على ملء الفراغ، منح تنظيم القاعدة فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. فالتنظيم، وإن خسر سيطرته الميدانية، لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة وشبكات دعم محلية، تنتظر اللحظة المناسبة للعودة.

وتؤكد خبرات السنوات الماضية أن الجماعات المتطرفة غالبًا ما تستثمر الفترات الانتقالية والاضطرابات السياسية والأمنية لإعادة التموضع، وهو ما يجعل مسألة الحفاظ على التوازن الأمني أمرًا بالغ الحساسية، خصوصًا في محافظات بحجم وأهمية حضرموت.

ويبرز وادي المسيني، الواقع غرب مدينة المكلا، كواحد من أخطر النقاط الأمنية في حضرموت. فقد كان الوادي لسنوات طويلة أحد أبرز معاقل تنظيم القاعدة في جنوب اليمن، مستفيدًا من تضاريسه الوعرة وتشعب ممراته، ما جعله بيئة مثالية للاختباء والتدريب والتخزين.

وقد تمكنت قوات النخبة الحضرمية، وفي مقدمتها لواء بارشيد، من تأمين الوادي وإخراج عناصر التنظيم منه خلال عمليات دقيقة، أسهمت في قطع شريان مهم من شرايين تحرك القاعدة. غير أن إجبار قوات اللواء على الانسحاب مؤخرًا من بعض المواقع التي كانت تؤمنها في الوادي أعاد المخاوف من إمكانية تسلل عناصر متطرفة، مستغلين الفراغ الأمني الناتج عن الأحداث الأخيرة.

ولا تقتصر مخاطر الفراغ الأمني في وادي المسيني على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى تهديد حياة المدنيين، وعرقلة النشاط الاقتصادي، وتهديد طرق الإمداد والحركة بين مديريات الساحل والداخل. كما أن أي عودة محتملة للقاعدة ستنعكس سلبًا على ثقة المجتمع المحلي، الذي ذاق مرارة سيطرة التنظيم في فترات سابقة.

ويحذر مراقبون من أن ترك مناطق استراتيجية دون تأمين فعّال قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى، ويقوض الجهود التي بُذلت خلال السنوات الماضية لبناء مؤسسات أمنية محلية قادرة على فرض الاستقرار.

تمثل حضرموت والمهرة عمقًا جغرافيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية، ليس فقط لليمن، بل لأمن المنطقة ككل. فأي نشاط إرهابي في هذه المحافظات قد يهدد خطوط الملاحة الدولية في بحر العرب وخليج عدن، ويعيد ملف الإرهاب في اليمن إلى صدارة الاهتمام الدولي.

ولهذا، فإن الحفاظ على المكاسب الأمنية المحققة، ومنع تشكل أي فراغ أمني، يعد ضرورة ملحّة تتطلب تنسيقًا عاليًا بين القوى المحلية والتحالف الداعم، وعدم التفريط بالتجربة الناجحة التي حققتها القوات الجنوبية في مواجهة الإرهاب.

وتؤكد التجربة أن الأمن لا يحتمل الفراغ، وأن انسحاب القوى الفاعلة دون ترتيبات واضحة يفتح الباب أمام أخطر السيناريوهات. وفي محافظات كحضرموت والمهرة، حيث لا تزال التهديدات قائمة، يصبح الحفاظ على الاستقرار أولوية قصوى، ليس فقط لحماية الجنوب، بل لحماية اليمن والمنطقة من عودة التنظيمات الإرهابية.

إن أي معالجة مستقبلية للوضع الأمني يجب أن تنطلق من مبدأ الشراكة والتكامل، والحفاظ على القوات التي أثبتت كفاءتها، وعدم السماح بعودة القاعدة إلى أوكارها القديمة، وعلى رأسها وادي المسيني، الذي لا يزال يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والقوى المحلية على منع الإرهاب من استغلال الفراغ.