تفكيك منظومة التعليم في مناطق الحوثي.. عبث يهدد مستقبل أجيال اليمن
السياسية - منذ ساعة و 48 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في ظل الانهيار المتواصل للعملية التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تتكشف ملامح سياسة ممنهجة لا تعير أي اهتمام لمعاناة المعلمين والمعلمات الذين حُرموا من مرتباتهم لسنوات، ولا لتحسين أوضاعهم المعيشية أو تطوير البنية التحتية للمدارس وتجهيزها بالوسائل الحديثة التي تضمن تعليماً نوعياً قادراً على بناء أجيال مسلحة بالعلم والمعرفة.
وبدلاً من توجيه الموارد المحدودة لدعم التعليم كأولوية وطنية، اتجهت المليشيا إلى مسار مغاير تماماً، يقوم على تفكيك المنظومة التعليمية وتحويلها إلى أداة أيديولوجية تخدم مشروعها السياسي والطائفي، في واحدة من أخطر صور العبث بمستقبل اليمنيين.
وفي أحدث تجليات هذا النهج، أقدمت مليشيا الحوثي مؤخرًا على تغيير أسماء 25 مدرسة حكومية في مديرية خيران المحرق بمحافظة حجة، في خطوة وصفتها أوساط تربوية بأنها محاولة ممنهجة لتجريف الهوية الوطنية وإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة.
وبحسب وثيقة صادرة عن ما يسمى بمكتب التربية والتعليم للعام 2026، جرى استبدال أسماء مدارس عريقة بأسماء قتلى تابعين للجماعة ومناسبات مرتبطة بمشروعها السياسي، في مسعى واضح لإحلال رموز طائفية وعسكرية محل الرموز الوطنية الجامعة.
ولم يقتصر الأمر على تغيير شكلي، بل طال مدارس تحمل أسماء محطات مفصلية في تاريخ اليمن الجمهوري، مثل "26 سبتمبر" و"الوحدة"، إلى جانب أسماء شخصيات فكرية وثورية بارزة كالشاعر والمناضل محمد محمود الزبيري. ويرى مراقبون أن هذا الاستهداف يهدف إلى قطع الصلة بين الطلاب وتاريخهم الوطني، واستبداله بسردية أحادية تخدم مشروع الجماعة، بما يفرغ التعليم من مضمونه الوطني ويحوّله إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء الطائفي.
وحذر تربويون وحقوقيون من أن هذه السياسات تمثل "عدواناً على الذاكرة الجمعية"، مؤكدين أن تحويل المدارس من فضاءات للعلم والمعرفة إلى منصات للتعبئة الفكرية سيعمّق الانقسامات الاجتماعية ويزرع بذور صراعات مستقبلية، في وقت يعاني فيه القطاع التعليمي من تدهور البنية التحتية وانقطاع المرتبات وغياب أبسط مقومات العملية التعليمية.
وتتجاوز ممارسات المليشيا تغيير أسماء المدارس، لتطال جوهر العملية التعليمية برمتها، حيث تواصل تنفيذ مخطط منظم لتحويل التعليم إلى أداة لفرض أفكارها الطائفية. وتشير تقارير حديثة إلى قيام الجماعة بتوزيع استبيانات ذات طابع أيديولوجي على المعلمات في المدارس الحكومية والخاصة، تتضمن جمع بيانات شخصية حساسة، إلى جانب أسئلة مسيّسة تتعلق بالاستعداد لاستضافة فعاليات ومجالس طائفية داخل المنازل، في مسعى واضح لتوسيع دائرة السيطرة الاجتماعية واستغلال الكادر التعليمي خارج إطار دوره المهني.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تعديل نحو 150 مادة دراسية، جرى تحميلها بمضامين طائفية وإقصاء المحتوى الذي يعزز التفكير النقدي والانتماء الوطني، فضلاً عن فرض قيود على تدريس اللغة الإنجليزية في المراحل التأسيسية، مقابل تكثيف المواد ذات التوجه الأيديولوجي. كما رافقت هذه الإجراءات حملة إقصاء ممنهجة للكفاءات التعليمية واستبدالها بعناصر موالية للجماعة، مع فرض رقابة مشددة على أي صوت معارض داخل المدارس.
ونتيجة لذلك، تحولت المؤسسات التعليمية في مناطق سيطرة الحوثيين إلى ساحات للتلقين العقائدي والتعبئة الطائفية، وفقدت دورها الطبيعي كمحضن للعلم وبناء الإنسان، ما ينذر بتداعيات خطيرة على مستقبل التعليم والوعي المجتمعي في اليمن.
ووجّهت الناشطة سكينة حسن زيد، ابنة القيادي الراحل حسن زيد، انتقادات لاذعة لسياسات التعليم التي تنتهجها الجماعة، معتبرة أن ما يجري هو "تجيير طائفي وأيديولوجي" للأطفال، لا يمت للتعليم بصلة. وأكدت أن الثقة الشعبية في نوايا الحوثيين تجاه التعليم منعدمة، وأن شريحة واسعة من المواطنين باتت مقتنعة بأن الهدف الحقيقي هو تجهيل أبنائهم وتحويلهم إلى أدوات طيّعة، عبر استغلال المدارس لغرس الفكر الطائفي والتجنيد المبكر.
وشددت زيد على أن العملية التعليمية يجب أن تكون في خدمة الوطن وبناء الإنسان، لا وسيلة لفرض الولاءات أو استخدام الأطفال كورقة سياسية وعسكرية، مطالبة بمراجعة شاملة للسياسات التعليمية بما يضمن تعليماً معرفياً حقيقياً، وتنمية مهارات الطلاب وقدراتهم النقدية بعيداً عن الأدلجة والتوظيف الأيديولوجي.
وتعكس هذه الانتقادات، إلى جانب الوقائع المتراكمة على الأرض، صورة قاتمة لمستقبل التعليم في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث تتقدم "حوثنة التعليم" على حساب حقوق المعلمين والطلاب، في مشهد يؤكد أن تدمير التعليم بات أحد أبرز أدوات الجماعة لإحكام السيطرة وإعادة تشكيل المجتمع وفق مشروعها الخاص، غير آبهة بتكلفة ذلك على حاضر اليمن ومستقبله.
>
