حصار عسكري ومراقبة الإلكترونية.. استراتيجية حوثية لإخضاع قبائل اليمن
السياسية - منذ ساعة و 33 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
تتعرض القبائل اليمنية القابعة تحت قبضة ميليشيا الحوثي الإيرانية لحملة مضاعفة من الضغوط والحصار والملاحقة، سواء عبر الحصار العسكري للقرى أو التضييق على مشايخ بارزين، في مشهد يعكس استمرار محاولة الجماعة فرض هيمنتها الأمنية والاجتماعية والسياسية على البيئة القبلية.
وتأتي هذه التطورات في سياق استراتيجي متكامل يسعى الحوثيون من خلاله لإخضاع المجتمع المحلي وإعادة ترتيب النفوذ داخل صفوفهم، وسط مؤشرات على تحولات داخلية وحسابات إقليمية دقيقة.
وشهدت ثلاث محافظات يمنية هي ذمار والبيضاء والمحويت حصاراً متزامناً لقرى سكنية، في تحركات وُصفت بأنها عقاب جماعي يهدف إلى إخضاع القبائل بقوة السلاح، رغم خصوصية التوقيت في شهر رمضان.
ففي محافظة ذمار، تواصل مجاميع أمنية حوثية، للأسبوع الثاني على التوالي، فرض حصار عسكري على قرية الأغوال بمديرية الحدا، مع تنفيذ حملة اختطافات طالت أكثر من 20 مدنياً، بحسب مصادر قبلية. ولم يقتصر الأمر على الاعتقالات، بل شمل – وفق المصادر – تدمير بنى تحتية زراعية، وكسر أقفال آبار مياه، وقطع أسلاك الطاقة الشمسية، وتحطيم معدات زراعية، في مسعى لفرض مشروع يرفضه الأهالي.
وفي محافظة البيضاء، فرض الحوثيون حصاراً على قرية المنقطع بمديرية الشرية، على خلفية حادثة قتل عرضي، في خطوة اعتُبرت انتقاماً جماعياً. وذكرت مصادر محلية أن ما لا يقل عن 30 مدنياً اختُطفوا، مع استمرار الحصار لنحو أسبوعين، وتنفيذ مداهمات للمنازل، والاستعانة بعناصر نسائية مسلحة تُعرف باسم “الزينبيات” لاقتحام البيوت وترويع الأسر.
أما في المحويت، ففرضت الجماعة حصاراً على قرية الشاحذية بعزلة بني الجلبي في مديرية الرجم، عقب مقتل أحد قياداتها الأمنية. ودُفعت عشرات الدوريات والمدرعات إلى محيط القرية، وقُطعت الطرق، ومُنع دخول الغذاء والدواء، كما مُنع إسعاف الجرحى. وأفادت المصادر باقتياد مصابين وأكثر من 10 مدنيين إلى معتقلات، واحتجاز جثمان أحد القتلى ممن تصدوا للحملة.
ويرى مراقبون أن هذه الوقائع تمثل نمطاً متكرراً في التعامل مع البيئات القبلية، عبر الحصار والتنكيل الجماعي، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات ضغط، بما يعمق الفجوة بين الجماعة والمجتمع المحلي، ويعيد إنتاج علاقة قائمة على الردع بدلاً من الشراكة.
وفي سياق موازٍ، برزت تطورات لافتة بشأن حصار منزل الشيخ القبلي حمير عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبائل حاشد، في منطقة الحصبة شمالي صنعاء.
وبحسب مصدر قبلي، فرض الحوثيون مشرفاً تابعاً لهم عند البوابة الرئيسية للمنزل لمتابعة حركة الداخلين والخارجين، عقب انسحاب القوة الأمنية التي كانت تطوق المنزل منذ منتصف الشهر الجاري، مع الإبقاء على مركبتين أمنيتين في محيطه. وخلال الساعات الماضية، مُنعت شخصيات قبلية واجتماعية من الدخول إلى المنزل، وأُعيد بعضهم من البوابة.
كما تحدثت المصادر عن زرع أجهزة تنصّت متطورة في مبانٍ قريبة من منزل الأحمر، بهدف مراقبة الاتصالات في محيطه، في مؤشر على انتقال الحصار من الطوق العسكري المباشر إلى الرقابة الأمنية الدقيقة.
وكان مسلحو الحوثي قد فرضوا في منتصف فبراير الماضي طوقاً مشدداً حول منزل الأحمر دون توضيح رسمي للأسباب. ويُعد الأحمر شخصية سياسية وبرلمانية بارزة، وقد اختير مطلع 2023 زعيماً لمشايخ قبائل حاشد، إحدى أكبر القبائل اليمنية، ما يمنح أي تحرك ضده أبعاداً تتجاوز البعد الأمني إلى رسائل سياسية موجهة للبيئة القبلية الأوسع.
وبالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، كشفت مصادر قبلية وأمنية عن إعادة ترتيب داخلية في إدارة الملف القبلي، حيث سلّم زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي إدارة الشأن القبلي إلى القيادي يحيى عبدالله الرزامي، وإزاحة ابن عمه محمد علي الحوثي من هذا الملف.
ووفق المصادر، تهدف الخطوة إلى موازنة النفوذ بين الأجنحة المتصارعة داخل الجماعة، وإعادة توزيع مراكز القوة، خصوصاً في المحافظات الشمالية. كما شُكلت لجنة قبلية برئاسة عبدالله الرزامي لمعالجة القضايا والخلافات في مناطق سيطرة الجماعة، مع إقرار إنهاء الإجراءات التي كان بدأها محمد علي الحوثي ضمن ما يسمى “المنظومة العدلية” في الجانب القبلي.
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من صراع خفي على النفوذ في صعدة بين عبدالملك الحوثي وعبدالله عيضة الرزامي، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أقوى الأذرع القبلية والعسكرية داخل الجماعة. ويرى مراقبون أن تسليم الملف لنجل الرزامي يعكس محاولة لاحتواء التباينات الداخلية، ومغازلة البيئة القبلية، وإرسال إشارات طمأنة للإقليم بشأن الانخراط في مسارات التهدئة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية.
وتكشف هذه التطورات – من حصار القرى إلى تضييق الخناق على مشايخ بارزين، مروراً بإعادة ترتيب الملف القبلي – عن مشهد معقد يتداخل فيه الأمني بالقبلي والسياسي. وبينما تسعى الجماعة إلى إحكام السيطرة على المجال الاجتماعي، تبدو القبيلة مجدداً ساحة اختبار لمعادلة القوة والنفوذ، في لحظة تشهد تحولات داخلية وحسابات إقليمية متشابكة.
>
