تقرير دولي: الشحن الإيراني ينتعش في ظل التوترات والحرب

السياسية - منذ ساعتان و 3 دقائق
عدن، نيوزيمن:

في وقتٍ تتجه فيه العديد من القطاعات الاقتصادية نحو التراجع بفعل الحرب والتوترات الإقليمية، تكشف تقارير دولية عن واقع مغاير في قطاع الشحن البحري الإيراني، حيث يشهد الأسطول التجاري لطهران نشاطاً متصاعداً وازدهاراً ملحوظاً، مستفيداً من ارتفاع الطلب العالمي على النقل البحري والطاقة، ومن طبيعة التجارة التي لا تتوقف حتى في أحلك الظروف.

بحسب تقرير نشرته مجلة ذا ماريتايم إكزكيوتيف، وهي مجلة متخصصة في شؤون النقل البحري العالمي، إن السفن التجارية تميل إلى مواصلة الإبحار حتى في أوقات الحروب، مدفوعة بارتفاع أسعار الشحن وزيادة الطلب على السلع المنقولة، وهو ما يخلق فرصاً اقتصادية حتى في ظل الأزمات.

وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في الموانئ الإيرانية، حيث شهد ميناء بندر عباس، أكبر الموانئ التجارية في البلاد، نشاطاً مكثفاً منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، مع تسجيل متوسط يومي يتجاوز 20 سفينة بين قادمة ومغادرة، وهو رقم يعكس وتيرة تشغيل مرتفعة مقارنة بظروف الحرب.

وفي المقابل، حافظ ميناء تشاه بهار، الواقع خارج الخليج، على حركة مستقرة نسبياً، مع تسجيل وجود نحو 10 سفن في الميناء في بعض الأيام، ومتوسط حركة يومية تتراوح بين سفينتين إلى ثلاث، ما يعكس استمرار تدفق البضائع عبر مسارات بديلة أقل ازدحاماً.

ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز محركات هذا النشاط هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال، والذي أعاد تنشيط حركة ناقلات النفط الإيرانية، سواء تلك التي تعمل بشكل رسمي أو ضمن ما يُعرف بـ"الأسطول غير الرسمي".

وقد تمكنت هذه الناقلات من عبور مضيق هرمز دون قيود تُذكر، مستفيدة من انشغال القوى الدولية بتداعيات الحرب، وهو ما ساهم في إعادة فتح أسواق كانت مغلقة أمام النفط الإيراني.

ومن أبرز المؤشرات على ذلك، استئناف شحنات النفط الإيراني إلى الهند لأول مرة منذ مايو 2019، مستفيدة من إعفاء أمريكي مؤقت، في خطوة تعكس تغيرات في موازين سوق الطاقة، وتنامي الطلب على الإمدادات في ظل التوترات العالمية.

إلى جانب النشاط التجاري التقليدي، يسلط التقرير الضوء على جانب أكثر حساسية، يتمثل في استمرار شحن مواد يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية، ضمن حركة التجارة بين الصين وإيران.

وأوضح أن مواد مثل “بيركلورات الصوديوم"، التي تُستخدم في تصنيع وقود الصواريخ، يتم نقلها ضمن شحنات تجارية عادية، ما يجعل من الصعب رصدها أو التحقق من طبيعتها عبر الوسائل التقليدية.

وأشار إلى أن هذه المادة تُعد مكوناً أساسياً في إنتاج “بيركلورات الأمونيوم"، الذي يشكل نحو 70% من الوقود الصلب المستخدم في الصواريخ الباليستية الإيرانية، ما يثير مخاوف دولية من استغلال التجارة المدنية لأغراض عسكرية.

ويبرز دور شركة خطوط الشحن الإيرانية IRISL، التي تهيمن على جزء كبير من الأسطول التجاري الإيراني، رغم خضوعها لعقوبات أمريكية مشددة.

وبحسب التقرير، تواصل سفن الشركة تنفيذ رحلات منتظمة بين الموانئ الصينية والإيرانية، حيث رُصدت عدة سفن تقوم برحلات متكررة على هذا المسار، حاملة شحنات مختلفة، بعضها يُصنف ضمن المواد الخطرة.

وتُظهر هذه العمليات قدرة طهران على التكيف مع العقوبات، من خلال استخدام شبكات شحن مرنة، وتغيير أعلام السفن، والاعتماد على طرق لوجستية متعددة لتجنب القيود الدولية.

كما يشير التقرير إلى أن إيران تلجأ إلى استخدام موانئ بديلة مثل تشاه بهار لتفريغ الشحنات الحساسة، قبل نقلها براً إلى الداخل، وذلك لتقليل المخاطر المرتبطة بالتعامل مع مواد قابلة للاشتعال في موانئ مزدحمة مثل بندر عباس.

ويُعتقد أن هذا النهج يعكس إدراكاً للمخاطر، خاصة بعد حوادث سابقة مرتبطة بانفجارات في الموانئ، ما دفع إلى توزيع عمليات النقل وتقليل الضغط على نقاط محددة.

ورغم التهديدات الأمنية والعقوبات، يلفت التقرير إلى أن استمرار تدفق الشحنات عبر هذه المسارات يعكس مستوى من الثقة لدى إيران وشركائها، خاصة الصين، في قدرة هذه الخطوط على العمل دون اعتراض يُذكر.

كما يشير إلى أن البدائل البرية، مثل خطوط السكك الحديدية عبر آسيا الوسطى، لا تزال أقل استخداماً، رغم توفرها، وهو ما يعزز الاعتماد على النقل البحري كخيار رئيسي.

وخلص تقرير ذا ماريتايم إكزكيوتيف إلى أن الحرب لم تؤدِ فقط إلى تعطيل بعض مسارات التجارة، بل ساهمت أيضاً في إعادة تشكيلها، حيث استفادت أطراف مثل إيران من ارتفاع الطلب العالمي، ونجحت في الحفاظ على نشاطها التجاري بل وتوسيعه.

وفي ظل استمرار التوترات، يبدو أن الأسطول التجاري الإيراني سيبقى لاعباً نشطاً في سوق الشحن البحري، مستفيداً من الفراغات التي تخلقها الأزمات، ومن قدرته على التكيف مع القيود الدولية، ما يطرح تساؤلات حول فعالية العقوبات في كبح هذا النشاط على المدى القريب.