المقاومة الوطنية.. بندقية تحمي ويد تبني في تجربة جمهورية متكاملة
السياسية - منذ ساعة و 53 دقيقة
المخا، نيوزيمن، خاص:
تقدّم تجربة المقاومة الوطنية خلال السنوات الأخيرة نموذجًا مختلفًا في إدارة المناطق المحررة، يقوم على الجمع بين العمل العسكري من جهة، والتدخلات التنموية والخدمية من جهة أخرى، في مقاربة تُعرف بشعار "يدٌ تحمي ويدٌ تبني". هذا الشعار لم يبقَ مجرد توصيف دعائي، بل تحوّل إلى مسار عملي تُرجم عبر مشاريع بنية تحتية وخدمات أساسية طالت قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، في مقدمتها الطرق والصحة والتعليم والطاقة والمياه.
ويأتي هذا التوجه في سياق قيادة سياسية وعسكرية برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي، قائد المقاومة الوطنية، الفريق أول ركن طارق صالح، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بإعادة تشكيل بيئة الساحل الغربي على المستويين الأمني والخدمي، بما يعكس انتقالًا من منطق إدارة الجبهة إلى منطق بناء نموذج دولة مصغرة في مناطق الاستقرار النسبي.
التنمية أساس الاستقرار
تُعد مشاريع الطرق أحد أبرز ملامح هذا النموذج التنموي، حيث تم تنفيذ ما يقارب 290 كيلومترًا من أعمال الشق والتعبيد في مناطق مختلفة من الساحل الغربي. ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على بعدها الخدمي المباشر، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية، عبر ربط المدن بالمناطق الريفية، وتسهيل حركة النقل والتجارة، وتقليل العزلة التي فرضتها الحرب على العديد من المناطق.
ويُنظر إلى هذا القطاع باعتباره أساسًا لأي عملية تنمية لاحقة، إذ يشكل تحسين شبكة الطرق شرطًا لازمًا لانتعاش النشاط الاقتصادي وتحسين حركة السكان والبضائع، وهو ما يفسر تصدره قائمة التدخلات التنموية خلال الفترة الماضية.
في قطاع الطاقة، اتجهت التدخلات نحو حلول غير تقليدية، من خلال إنشاء أربع محطات كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية، بقدرة إنتاجية تجاوزت 80 ميجاوات. وتمثل هذه المشاريع تحولًا نوعيًا في بيئة تعاني من انهيار شبه كامل للبنية التحتية الكهربائية، حيث ساهمت هذه المحطات في تغطية احتياجات مناطق رئيسية مثل المخا والخوخة وحيس.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي في المناطق التي يصعب فيها الاعتماد على الشبكات التقليدية، سواء بسبب التكلفة أو بسبب هشاشة البنية التحتية، ما يجعل هذه المشاريع جزءًا من رؤية أوسع للاستدامة.

وامتدت التدخلات إلى القطاعين الصحي والتعليمي، حيث جرى إنشاء وتشغيل 20 منشأة طبية بين مستشفيات ومراكز صحية ومرافق ريفية، ما أسهم في تحسين مستوى الوصول إلى الخدمات العلاجية وتقليل الضغط على المراكز الصحية المحدودة في المناطق المحررة.
وفي الجانب التعليمي، تم إنشاء 15 مجمعًا تربويًا ومدرسة، في إطار دعم البنية التحتية للتعليم وتوسيع فرص الالتحاق بالمدارس. ويعكس هذا المسار توجهًا نحو اعتبار التعليم والصحة جزءًا من منظومة الاستقرار، وليس مجرد خدمات ثانوية، وهو ما يعزز مفهوم التنمية المتكاملة في بيئة ما بعد الصراع.
استعادة وظائف الدولة
لم تقتصر الجهود على الخدمات المباشرة، بل شملت أيضًا إعادة تأهيل البنية المؤسسية، عبر ترميم وبناء 15 مجمعًا حكوميًا ومرفقًا إداريًا وأمنيًا، إضافة إلى تأهيل وتشغيل خمس مؤسسات خدمية. وتأتي هذه الخطوات في سياق محاولة إعادة تفعيل حضور الدولة الإداري في المناطق المحررة، بما يضمن استمرارية الخدمات وتنظيم العمل المؤسسي.
كما تم تنفيذ 15 مشروعًا في قطاع المياه، بهدف تحسين الإمدادات المائية وتأمين مصادر مستدامة، في ظل أزمة متفاقمة تعاني منها العديد من المناطق، ما يجعل هذا القطاع أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار المعيشي.
في موازاة المشاريع الخدمية، برزت تدخلات ذات طابع اقتصادي واستراتيجي، أبرزها إنشاء مطار المخا الدولي، وتوسعة ميناء المخا لرفع قدرته الاستيعابية إلى 8 آلاف طن، إضافة إلى إنشاء مدينة سكنية مخصصة للنازحين والمتضررين من الحرب.
وتعكس هذه المشاريع انتقالًا من التركيز على الإغاثة والخدمات إلى بناء بنية اقتصادية قادرة على دعم النشاط التجاري وتحريك الدورة الاقتصادية، بما يجعل الساحل الغربي منطقة جاذبة للحركة الاقتصادية وليس مجرد ساحة عسكرية.
وتشير البيانات إلى أن هذه المشاريع أسهمت في استفادة نحو 3 ملايين مواطن خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب 20 جهة ومؤسسة حكومية وخدمية. ويعكس هذا الرقم حجم الامتداد الاجتماعي والاقتصادي للتدخلات، وارتباطها المباشر بتحسين جودة الحياة في نطاق جغرافي واسع.
ويُنظر إلى هذا الأثر باعتباره مؤشرًا على نجاح مقاربة الدمج بين الأمن والتنمية، حيث لم تعد العمليات العسكرية منفصلة عن الواقع المعيشي، بل أصبحت جزءًا من معادلة استقرار أشمل.
وتقدم تجربة "يدٌ تحمي ويدٌ تبني" نموذجًا يتجاوز المفهوم التقليدي للقوة العسكرية، نحو صياغة دور مركب يجمع بين فرض الاستقرار وإعادة الإعمار في آن واحد. وبينما تظل التحديات قائمة في بيئة صراع معقدة، فإن هذا النموذج يعكس محاولة لتأسيس حالة استقرار تدريجي تُبنى على مزيج من القوة والتنمية.
إنجازات مفصلية
لا تُقرأ هذه المشاريع بوصفها إنجازات منفصلة، بل كمنظومة مترابطة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في المناطق المحررة، عبر تحويل العمل العسكري إلى منصة داعمة لبناء مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها الخدمي والاقتصادي.
ويؤكد الكاتب علي عميران أن التجربة بوصفها مشروعًا وطنيًا متكاملًا يتجاوز حدود التشكيل العسكري التقليدي، ليعكس – بحسب وصفه – تحولًا في مفهوم العمل الجمهوري خلال سنوات الحرب. ويرى عميران أن المقاومة الوطنية نشأت في سياق استثنائي أعقب أحداث ديسمبر، لكنها تطورت سريعًا لتصبح إطارًا جامعًا يستند إلى فكرة "اليمن الكبير"، بما يجعلها مشروعًا عابرًا للأجندات المناطقية والحزبية، ومتمركزًا حول هدف استعادة الدولة.
ويؤكد الكاتب أن البعد الميداني للمقاومة لم يكن محصورًا في جبهة واحدة، بل امتد عبر جغرافيا واسعة شملت الساحل الغربي وجبهات أخرى، بما يعكس – وفق تحليله – وحدة المعركة ضد المشروع الحوثي. كما يبرز في خطابه التحول النوعي في أداء المقاومة من الفعل العسكري إلى مشاريع إعمار وتنمية، تجلت في بنى تحتية ومشاريع خدمية وصحية وتعليمية، تعكس فكرة أن "القوة" لم تعد مقتصرة على القتال، بل امتدت إلى إعادة بناء الحياة في المناطق المحررة.

بدوره الكاتب عمر الصلاحي أكد أن انطلاقة المقاومة الوطنية جاءت كنتاج مباشر لمرحلة مفصلية أعقبت انتفاضة ديسمبر واستشهاد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حيث أعيد ترتيب المشهد العسكري على امتداد الساحل الغربي. ويشير إلى أن النواة الأولى للمقاومة تشكلت من ألوية حراس الجمهورية، التي لعبت دورًا محوريًا في معارك الساحل الغربي وصولًا إلى أطراف الحديدة.
ويرى الصلاحي أن أهمية التجربة لا تكمن فقط في الإنجاز العسكري، بل في امتدادها إلى المجال السياسي عبر إنشاء المكتب السياسي، إضافة إلى مسار تنموي وخدمي أعاد تأهيل البنية التحتية ورفع مستوى الخدمات في المناطق المحررة. ويخلص إلى أن المقاومة الوطنية تمثل اليوم قوة قائمة على توازن بين العمل العسكري وبناء مؤسسات الدولة، بما يجعلها جزءًا فاعلًا في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا لليمن.
تحولات كبرى
أما الكاتب مطيع سعيد المخلافي فيقدم قراءة تعتبر أن تجربة المقاومة الوطنية ليست وليدة ظرف حرب، بل امتداد لتحولات كبرى فرضتها ثورة ديسمبر، التي أعادت تشكيل موازين القوى في اليمن. ويشير إلى أن ثمانية أعوام من العمل المتواصل أنتجت مشروعًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين الانضباط العسكري والفاعلية السياسية والعمل التنموي والإنساني، في نموذج وصفه بالمؤسسي المتماسك وسط بيئة مليئة بالفوضى والتشظي.
ويبرز المخلافي أن المقاومة الوطنية، بقيادة الفريق طارق صالح، تمكنت من بناء قوة عسكرية منظمة ذات طابع برّي وبحري، شاركت في تحرير مناطق واسعة في الساحل الغربي قبل أن توقفها اعتبارات اتفاق ستوكهولم. كما يشير إلى تطور أدوارها الأمنية في تأمين البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب حضورها الإعلامي والسياسي في توحيد الخطاب الجمهوري ونقل معاناة اليمن إلى المحافل الدولية.
ويختتم الكاتب بالإشارة إلى أن شعار "يد تحمي ويد تبني" لم يكن مجرد عنوان، بل ممارسة عملية تجسدت في مشاريع خدمية وتنموية وإغاثية واسعة، جعلت من المقاومة الوطنية نموذجًا لمشروع دولة مصغر، يجمع بين حماية الأرض وبناء الإنسان، في وقت يترقب فيه اليمنيون لحظة استعادة الدولة والنظام.
>
