منابر ومساجد وجمعيات.. تمدد النفوذ الإيراني داخل المجتمع الأمريكي

العالم - منذ ساعة و 34 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

في وقت تتركز فيه اهتمامات صناع القرار الأمريكيين على التحديات الأمنية التقليدية في الشرق الأوسط، كشف تحليل أمريكي حديث عن ما وصفه بشبكة نفوذ معقدة مرتبطة بالنظام الإيراني تنشط داخل الولايات المتحدة، مستفيدة من مؤسسات دينية وخيرية وشخصيات دينية مرتبطة بالإسلام السياسي الشيعي في باكستان، وتتخذ من ولاية تكساس مركزاً رئيسياً لنشاطها.

التحليل الذي نشرته مؤسسة "كانون" التابعة لمؤسسة تكساس للسياسات العامة تحت عنوان "توسيع نطاق إدراكنا للتهديد: شبكة إيران في تكساس وباكستان"، أعده الباحث الأمريكي المتخصص في قضايا التطرف الإسلامي والتجنيد سام ويستروب، الذي اعتبر أن واشنطن ما تزال تنظر إلى التهديد الإيراني باعتباره ملفاً شرق أوسطياً بحتاً، في حين أن شبكات مرتبطة بطهران تعمل داخل الولايات المتحدة بصورة علنية عبر مؤسسات دينية ومجتمعية لا تحظى بالقدر الكافي من الرقابة والمتابعة.

ويرى التقرير أن فهم طبيعة هذه الشبكات يتطلب النظر إلى العلاقة التاريخية التي ربطت النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 بعدد من الحركات الشيعية في جنوب آسيا، وعلى رأسها الحركات السياسية والدينية التي نشطت في باكستان وتبنت أفكار الثورة الإيرانية ومشروع "ولاية الفقيه".

من الثورة الإيرانية إلى باكستان

ويشير التحليل إلى أن النظام الإيراني سعى منذ السنوات الأولى للثورة إلى بناء قواعد نفوذ خارج حدوده، خصوصاً داخل المجتمعات الشيعية في المنطقة، حيث جرى تأسيس شبكات دينية وتعليمية وسياسية هدفت إلى نشر الفكر الخميني وتكوين أجيال من رجال الدين والناشطين المرتبطين بالمشروع الإيراني.

وفي هذا السياق برزت حركة "تحريك جعفري باكستان" كأحد أبرز التنظيمات الشيعية التي ارتبطت بالمؤسسة الدينية والسياسية الإيرانية. وبحسب التحليل، فقد تأسست الحركة بدعم مباشر من إيران وتحولت خلال سنوات إلى إحدى أبرز المنصات السياسية والدينية التي تتبنى الخطاب الثوري الإيراني داخل باكستان.

ورغم أن الحكومة الباكستانية حظرت الحركة عام 2002 بسبب اتهامات مرتبطة بالعنف الطائفي، إلا أن كوادرها وقياداتها تمكنت من إعادة تنظيم أنفسهم تحت مسميات جديدة، مع الحفاظ على البنية القيادية نفسها والأهداف السياسية ذاتها.

ويقول الخبير الأمريكي إن الحركة أعادت الظهور عبر ما يعرف اليوم بـ"ملت جعفرية"، التي تدير بدورها أذرعاً متعددة تشمل مؤسسات دينية وسياسية وخيرية وإعلامية داخل باكستان وخارجها. ويؤكد التحليل أن امتدادات هذه الشبكة لم تعد تقتصر على باكستان أو جنوب آسيا، بل أصبحت حاضرة داخل الولايات المتحدة، خاصة في ولاية تكساس التي تضم جالية شيعية باكستانية كبيرة.

ووفقاً للباحث سام ويستروب، فإن مدينة هيوستن أصبحت تمثل مركزاً رئيسياً لنشاط هذه الشبكات، حيث تنشط مجموعة من المؤسسات الدينية والمساجد والمراكز الثقافية المرتبطة بأشخاص ومنظمات تحمل علاقات فكرية أو تنظيمية مع المشروع الإيراني.

ويستشهد التقرير بفعالية أقيمت في مارس الماضي داخل مركز علي الإسلامي في هيوستن لإحياء ذكرى من يطلق عليهم "شهداء ملت جعفرية"، وهي مناسبة يرى الباحث أنها لا تقتصر على البعد الديني، بل تعكس ارتباطاً سياسياً وفكرياً بحركة "تحريك جعفري باكستان" والجماعات المرتبطة بها.

ويعتبر التقرير أن استخدام مصطلحات مثل "شهداء ملت جعفرية" يحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع الديني التقليدي، إذ يرتبط بتاريخ الجماعات التي دعمت المشروع الثوري الإيراني في باكستان.

جامعة المصطفى.. بوابة النفوذ الفكري

ومن أبرز النقاط التي ركز عليها التقرير الحديث عن الدور الذي تلعبه المؤسسات التعليمية الإيرانية في إعداد رجال الدين العاملين خارج إيران. وأشار إلى أن عدداً من الأئمة الذين يعملون في مساجد ومراكز دينية داخل تكساس تلقوا تعليمهم في مدينة قم الإيرانية، وتحديداً في مؤسسات مرتبطة بالنظام الإيراني.

ومن بين هؤلاء الإمام أبرار حسين عرفاني الذي يعمل في مركز علي الإسلامي، والذي درس في جامعة المصطفى العالمية، وهي مؤسسة دينية وتعليمية فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عام 2020. وبحسب الحكومة الأمريكية، فإن الجامعة لعبت دوراً في دعم أنشطة الحرس الثوري الإيراني خارج البلاد وساهمت في توفير غطاء لعمليات مرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية.

ويرى التحليل أن وجود خريجي هذه المؤسسات في مواقع دينية مؤثرة داخل الولايات المتحدة يثير تساؤلات حول آليات منح التأشيرات ومدى التدقيق في الخلفيات الفكرية والتنظيمية لبعض رجال الدين القادمين من الخارج. ويتناول التحليل أيضاً شخصيات دينية وإعلامية تنشط داخل الأوساط الشيعية الباكستانية في تكساس، مشيراً إلى أن بعضهم يعلن بشكل متكرر دعمه للمرشد الإيراني علي خامنئي ولقيادات حزب الله اللبناني.

ويذكر الخبير الأمريكي أن محمد هاني ميرزا، الذي يشارك بانتظام في فعاليات دينية داخل هيوستن، نشر على منصات التواصل الاجتماعي رسائل ومقاطع مصورة تشيد بالأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله وتدعو إلى مواصلة نهجه.ويرى الباحث أن هذه المواقف تعكس حالة من التداخل بين النشاط الديني المحلي والدعاية السياسية المرتبطة بمحور إيران الإقليمي.

جانب آخر وصفه التحليل بأنه بالغ الأهمية يتعلق بملف التمويل. تلعب مؤسسة الشهيد الباكستانية دوراً محورياً في جمع الأموال لصالح مشاريع مرتبطة بما يسمى "شهداء القضية الخمينية"، بينما ترتبط بعلاقات تعاون مع منظمات خيرية تعمل في الولايات المتحدة.

وأشار إلى أن المؤسسة لا تخفي تأييدها لحزب الله اللبناني، وأنها سبق أن نظمت فعاليات دعماً للحزب وأشادت بقياداته. كما تحدث عن دور منظمات أمريكية مسجلة كجمعيات خيرية في جمع التبرعات لمشاريع مرتبطة بمؤسسة الشهيد، من بينها منظمة "سافيير يو إس إيه" التي عملت لسنوات كشريك للمؤسسة داخل الولايات المتحدة.

ويقول التحليل إن هذه العلاقات المالية والتنظيمية تعكس وجود شبكة ممتدة تربط بين مؤسسات خيرية في أمريكا ومنظمات مرتبطة بحركات سياسية ودينية موالية لإيران في باكستان.

قضية زيدي ونقوي

ويستعرض التحليل كذلك قضية مزمل زيدي وعاصم نقوي، اللذين اعتقلتهما السلطات الأمريكية عام 2020 بتهم تتعلق بتحويل أموال إلى إيران بصورة غير قانونية. وبحسب وزارة العدل الأمريكية، امتلك الرجلان صلات تشغيلية بالحرس الثوري الإيراني، واعترفا لاحقاً بدورهما في تحويل أموال من الولايات المتحدة إلى إيران لصالح جهات مرتبطة بالقيادة الإيرانية.

ويرى الباحث أن القضية تكشف جانباً من النشاط المالي المرتبط بهذه الشبكات داخل الأراضي الأمريكية، خصوصاً أن بعض الجهات المرتبطة بالجالية الشيعية الباكستانية سعت إلى جمع تبرعات لتغطية نفقات الدفاع القانوني عنهما. كما أشار إلى أن زيدي عاد للظهور العلني بعد إطلاق سراحه، وشارك في فعاليات مرتبطة بيوم القدس في هيوستن خلال العام الجاري، حيث ألقى كلمات مؤيدة لما وصفه بـ"نهج المقاومة".

وأشار التحليل إلى أن شبكات النفوذ المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة أصبحت أكثر تعقيداً مما يُعتقد، وأنها لا تقتصر على النشاط السياسي أو الإعلامي، بل تشمل منظومة متكاملة من المؤسسات الدينية والخيرية والتعليمية التي تعمل داخل المجتمع الأمريكي.

ويؤكد الباحث سام ويستروب أن مواجهة هذه التحديات لا تتطلب سن قوانين جديدة بقدر ما تحتاج إلى تطبيق أكثر صرامة للتشريعات القائمة، وتعزيز الرقابة على شبكات التمويل والمؤسسات التي ترتبط بأشخاص أو جهات سبق أن وردت أسماؤها في ملفات مرتبطة بالتطرف أو دعم الإرهاب.

ويحذر من أن تجاهل هذه الشبكات قد يسمح باستمرار بناء بنية نفوذ طويلة الأمد داخل الولايات المتحدة، مستفيدة من الغطاء الديني والخيري والاجتماعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمريكية من توسع أنشطة الوكلاء المرتبطين بإيران خارج منطقة الشرق الأوسط.