التصعيد الحوثي.. ابتزاز جديد للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية

السياسية - منذ 3 ساعات و 28 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

تواصل ميليشيا الحوثي استخدام سياسة التصعيد وتهديد الملاحة الدولية كأداة ضغط للحصول على مزيد من التنازلات السياسية والاقتصادية، في وقت تكشف فيه تحركاتها الأخيرة عن نمط متكرر يقوم على تحويل المبادرات الإنسانية وخطوات خفض التوتر إلى أوراق تفاوضية لتحقيق مكاسب إضافية، بدلاً من استثمارها في بناء الثقة والدفع نحو تسوية سياسية شاملة.

وجاء أحدث تصعيد للميليشيا بإعلانها فرض ما وصفته بـ"حظر بحري" على السعودية، في خطوة اعتبرها مراقبون امتداداً لسياسة الابتزاز التي تنتهجها الجماعة منذ سنوات، مستغلة حالة التوتر الإقليمي والمواجهة بين إيران والولايات المتحدة لمحاولة فرض شروط جديدة على الأطراف اليمنية والإقليمية.

ويرى مراقبون أن التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يمكن فصله عن الدور الذي تسعى إيران إلى توظيف الجماعة من خلاله، باعتبارها إحدى أدوات الضغط في صراعاتها الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد المواجهة مع واشنطن والتهديدات المتبادلة بشأن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.

وبدأت الحلقة الجديدة من التصعيد عقب الخلاف حول المبادرة الأردنية لاستئناف الرحلات التجارية بين عمّان وصنعاء، والتي طرحت كخطوة إنسانية تهدف إلى تخفيف معاناة اليمنيين واحتواء التوتر، غير أن الحوثيين تعاملوا معها باعتبارها مدخلاً للمطالبة بحزمة واسعة من الامتيازات الاقتصادية والسيادية.

ورغم ترحيب الأمم المتحدة والحكومة اليمنية بالمبادرة باعتبارها خطوة لبناء الثقة، اعتبرت الميليشيا أنها "غير كافية"، وطالبت برفع جميع القيود المفروضة على المطارات والموانئ، وترتيبات مالية تشمل دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها، والحصول على حصة من عائدات النفط والغاز.

هذا السلوك يعكس نهجاً ثابتاً لدى الحوثيين، يقوم على رفع سقف المطالب مع كل تنازل يتم تقديمه، حيث تتحول الإجراءات الإنسانية أو الترتيبات المؤقتة إلى نقاط انطلاق للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية جديدة.

ويستند هذا التقييم إلى تجربة الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022، والتي حصلت خلالها الميليشيا على سلسلة من التسهيلات، من بينها السماح بدخول السفن إلى ميناء الحديدة وتوسيع حركة مطار صنعاء، والاعتراف بجوازات السفر الصادرة من مناطق سيطرتها، إضافة إلى السيطرة على أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية وإنشاء إدارة منفصلة للشركة والاستحواذ على أموالها المجمدة.

لكن هذه الخطوات، بحسب مراقبين، لم تقابلها إجراءات مماثلة من جانب الحوثيين في الملفات السياسية أو العسكرية، بل استُخدمت لتعزيز نفوذ الجماعة وتثبيت واقع الانقسام المؤسساتي والاقتصادي في البلاد.

ويحذر المراقبون من أن استمرار تقديم التنازلات من دون ضمانات واضحة والتزامات مقابلة قد يشجع الحوثيين على تبني سياسة تصعيدية متكررة، بحيث يصبح كل تقدم في مسار التهدئة بداية لجولة جديدة من المطالب والضغوط.

وفي ظل التصعيد الإقليمي، انتقلت الميليشيا إلى استخدام ورقة الملاحة الدولية، حيث أعلنت ما سمته "حظراً بحرياً" على السعودية، مهددة باتخاذ خطوات تصعيدية ضد حركة السفن.

ويعتقد محللون أن التهديد الحوثي لباب المندب يأتي ضمن محاولة إيرانية لتوسيع دائرة الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، عبر استهداف طرق التجارة العالمية وإرباك إمدادات الطاقة، خصوصاً أن المضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تعبرها ناقلات النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا.

ويقول المحللون إن استخدام الحوثيين للممرات البحرية كورقة سياسية يمثل تصعيداً خطيراً، لأنه ينقل الأزمة اليمنية من نطاقها المحلي إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي العالمي، ويمنح الجماعة قدرة على ابتزاز المجتمع الدولي عبر تهديد مصالحه الحيوية.

وتزامنت هذه التطورات مع أزمة الرحلات الجوية بين إيران ومناطق سيطرة الحوثيين، بعد محاولة تسيير رحلات لشركة "ماهان" الإيرانية إلى مطار صنعاء دون الحصول على التصاريح المطلوبة من السلطات اليمنية المعترف بها دولياً.

وكانت الحكومة اليمنية قد منعت طائرة إيرانية من استكمال رحلتها إلى صنعاء، مؤكدة أن أي حركة جوية يجب أن تمر عبر الإجراءات الرسمية المعتمدة، فيما أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت قادمة من طهران.

وفي المقابل، حاول الحوثيون تقديم الخطوة باعتبارها حقاً لهم في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وسط اتهامات حكومية للجماعة باستخدام المطارات والمنافذ لتعزيز ارتباطها بإيران خارج الأطر القانونية المعترف بها.

ويرى مراقبون أن التصعيد الحوثي الخارجي يأتي أيضاً في ظل أزمات داخلية تواجهها الميليشيا، من بينها تراجع الوضع الاقتصادي في مناطق سيطرتها، وتصاعد السخط الشعبي بسبب الجبايات وغياب الخدمات وتوقف المرتبات.

ويشيرون إلى أن الجماعة تسعى من خلال التصعيد الإقليمي إلى إعادة توجيه الاهتمام بعيداً عن تلك الأزمات، وتقديم نفسها كطرف إقليمي قادر على التأثير، بدلاً من مواجهة مطالب السكان المتعلقة بالإدارة والاقتصاد والخدمات.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة اليمنية أنها تعاملت مع التطورات بمنطق الدولة، وتجنبت الانجرار إلى تصعيد واسع قد يمنح الحوثيين فرصة للهروب من أزماتهم أو تحويل الأنظار عن مسؤولياتهم الداخلية، مع تمسكها بضرورة احترام الإجراءات القانونية المتعلقة بالمنافذ الجوية والبحرية.

وتشير المعطيات إلى أن ميليشيا الحوثي تواصل استخدام مزيج من التهديد العسكري والمطالب السياسية لتحقيق مكاسب جديدة، مستفيدة من حالة الاستقطاب الإقليمي، في وقت يحذر فيه مراقبون من أن تحويل باب المندب والملفات الإنسانية إلى أدوات تفاوضية قد يقوض فرص السلام ويزيد من تعقيد الأزمة اليمنية.

ويؤكد هؤلاء أن أي عملية سلام مستدامة لن تكون ممكنة في ظل استمرار سياسة فرض الأمر الواقع، وربط كل خطوة إنسانية أو سياسية بشروط جديدة، معتبرين أن المطلوب هو انتقال الميليشيا من سياسة الابتزاز والتصعيد إلى الالتزام بمسار سياسي يضمن تسوية شاملة تنهي حالة الصراع والانقسام.