برهن أن القلب يرى بعُمق البصيرة والجمال.. "البَرَدُّوْنِي" روح أبدية في أرواح شعب ثائر

متفرقات - الثلاثاء 31 أغسطس 2021 الساعة 06:21 م
عدن، نيوزيمن، خاص:

لقد زرعت الحب.. لكني ما ذقت إلاّ حنظل المزرعة

‏عمري بلا ماضٍ.. ومستقبلي كأمسيات الغابة المفزعة

في الذكرى الـ22 لرحيل الشاعر الثائر المفكر الفيلسوف، عبدالله البردوني، جابت أشعاره وقصائده كل مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنه الحي الأبدي في أرواح الشعب اليمني الثائر، والذي قالوا عنه بأنه حالة شعرية استثنائية نادرة لا يمكن أن تتكرر.

‏لا تَحسبِ الأرضَ عن إنجابِها عَقِرت 

‏مِن كُلِّ صَخرٍ سَيأتي لِلفِدا جَبَلُ

‏فالغصنُ يُنبتُ غصناً حين نَقطعه 

‏والليلُ يُنجبُ صبحاً حين يَكتملُ

‏سَتمطر الأرضُ يَوماً رغم شِحّتِها

‏ومِن بطونِ المآسي يُولَدُ الأمل

وكتب الصحفي والشاعر، زين العابدين الضبيبي، قصيدة في منشور له تزامناً مع الذكرى الـ22 قال فيها:

إلى الرائي الخالد "البردوني" في عيد ميلاده.

يا سليل الأنجم المشتعلةْ

ونبيّ السنواتِ الجذلةْ

خِطتَ بالضوءِ لنا مملكةً

فنقضنا عرشها بالمهزلةْ

أيها الرائي وفي أفواهنا

من معانيكَ سماءٌ جزلةْ

نتهجّى سحرها كل ضحىً

ونوالي اللغة المبتذلةْ

عمرنا مرَّ إلى أخرهِ

متخماً بالعثراتِ الخجلةْ

عد إلينا إننا محض صدىً

لصدى أحلامنا المرتجلةْ

أيها الرائي إلى. أيامنا

وهي تطفو في بحار القتلةْ

نحن أرخصنا ضحانا للدجى

 واختنقنا برماد الأسئلةْ

وهو ابن العتمة الأم التي

فقد المصباح فيها أملهْ

لحظةً يا أبتِ، الريح هنا

فوقنا تتلو وصايا الجهلةْ

لقنتنا الزيف من مطلعهِ

جملةً تعدو وأخرى مقبلةْ

فاستعاذ "الضم" في مسجدنا

من خطايانا بسوط السربلةْ

هكذا انحلَّتْ عرى أسيافنا

وانحنتْ ذروتنا للسفلةْ

صرخةٌ تعلو، غناءٌ ينطفي

ريثما تذوي الرؤى المحتملةْ

والمنى تجثو على أعصابها

في متاهات دروبٍ مقفلةْ

أيها الرائي، بعينيك مدىً

بين ماضينا وآتيه صلهْ

غير أنَّا قد جرحنا شمسنا

مذ عشقنا نجمةً مكتهلةْ

فيما تغنَّى ‏الإعلامي "أحمد فاخوري مقدم برنامج "تريدنيغ" في قناة بي بي سي عربية،‏ بقصيدة البردوني "امرأة الفقيد".

من جانبه قال فواز الشاطبي، لو تعلم مثقفو اليمن وشعراؤها، وفلاسفتها، بُردا واحدا من البردوني، لكفاهم ليصبحوا ذي قيمه!

وقالت مغردة تدعى "اليمانية"، في ذكرى رحيل ضرير البصر بصير البصيرة، من حُرم نعمة البصر ونور العين، لكنه ما حُرم نور القلب، وذكاء العقل، وفصاحة اللسان.‏ متوهجاً في بصيرته يملأ الدنيا عطاءً. من سعى لهدم أسوار الطغاة وإنارة دروب المشتاقين إلى الحرية، لك منا يا عظيم اليمن ألف سلام..

الكفيف عبد الله صالح حسن الشحف البَرَدُّوْنِي (1929 - 30 أغسطس 1999)، شاعر وناقد أدبي ومؤرخ ومدرس يمني تناولت مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن ومواضيع سياسية متعلقة ببلده أبرزها الصراع بين النظام الجمهوري والملكي الذي أطيح به في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، وغلب على قصائده الرومانسية القومية، والميل إلى السخرية والرثاء، وكان أسلوب ونمطية شعره تميل إلى الحداثة عكس الشعراء القبليين في اليمن، الذي برهن أن القلب يرى بعُمق وبصيرة وجمال، وأن الكثير من الناس يمتلكون عيونا مفتوحة وقلوبا كفيفة.

تقرأ قصائده فتسمع صليل السيوف، ووقوفه في وجه الطغاة والمتسلقين ناقدا لاذعا، وتمشي في طرقات نصوصه الشعرية والنثرية، فترى معاناة المواطنين من أقصى اليمن إلى أقصاه، ومظلة كبيرة للإنسانية في زمن اللاإنسانية، وتمر بين بيوتات قصائده فتملأ روحك لتُخلق حرا من جديد.

وفي أحد لقاءاته التلفزيونية، يقول البَرَدُّوْنِي كم يستغرق منه كتابة القصيدة: قد تأتي القصيدة في أوان العشاء وتنضج في منتصف الليل، وقد تعيش شهوراً وقد تأتي بين مطلع القصيدة وختامها قصائد.

كان صوت الشاعر الثائر يرتفع دوماً على الظلم، رافضا  للاستبداد والجهل والتخلف، فاعلاً وناقداً في حقل السياسة تحديدا ومنذ عهد مبكر، فانتقد في قصائده الإمامة آنذاك، وكان اللسان الذي تحدث عن الناس ومعاناتهم، فدفع ضريبة مواقفه، وسجن عدة مرات طوال فترة حياته.

يصف معاناته في السجن بإصرار وتحد، فيقول في قصيدة "رحلة التيه":

هدّني السجن وأدمى القيد ساقي فتعاييت بجرحي ووثاقي

في سبيل الفجر ما لاقيت في رحلة التيه وما سوف ألاقي

سوف يفنى كلّ قيد وقوى كلّ سفاح، وعطر الجرح باقي

سوف تهدي نار جرحي إخوتي وأعير الأنجم الوسنى احتراقي

حائز على جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن، وجائزة مهرجان أبي تمام بالموصل في العراق، ووسام الأدب والفنون في عدن، ووسام الأدب والفنون في صنعاء، وأصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورة الأديب البردوني.

أصدر 12 ديواناً شعرياً من 1961 - 1994، نال فيها عدة جوائز منها جائزة شوقي للشعر في القاهرة عام 1981، وجائزة السلطان العويس في الإمارات عام 1993، وجائزة أبي تمام في الموصل عام 1971، وجائزة اليونسكو التي أصدرت عملة فضية عليها صورته عام 1982.

من أرض بلقيس.

في طريق الفجر.

مدينة الغد.

لعيني أم بلقيس.

السفر إلى الأيام الخضر.

وجوه دخانية في مرايا الليل.

زمان بلا نوعية.

ترجمة رملية لأعراس الغبار.

كائنات الشوق الآخر.

رواغ المصابيح.

جواب العصور.

رجعة الحكيم بن زائد.

وُلد عبد الله بن صالح بن عبد الله بن حسين البردوني، في قرية البردون، شرق محافظة ذمار، عام 1929، وأصيب بالجدري وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، وعلى إثرها فقد بصره، لكنه لم يفقد بصيرته، فصار يطلق عليه البعض لقب "شاعر بصير في زمن أعمى"، إذ تنبأ بالربيع العربي، وبحال العرب في المنطقة بقصيدته "أبو تمام وعروبة اليوم، وبتعرض ساحة الحرية بتعز للحريق. 

بدأ تلقّي تعليمه الأوّلي في قريته وهو في السابعة من العمر، وحين بلغ الثالثة عشرة من عمره، بدأ يهتم بالشعر والأدب، فكتب عشرات الدواوين وكتب النقد، وصار موضوعا لدراسات العديد من أساتذة الجامعة والنقاد، ثم انتقل إلى صنعاء، ودرس في جامعها الكبير، وعقبها انتقل إلى دار العلوم في مطلع الأربعينيات، وتعلّم كلّ ما أحاط به منهجها، حتى حصل على إجازة من الدار في "العلوم الشرعية والتفوق اللغوي"، وشغل عقبها العديد من المناصب في حقل الإعلام.


وفي محطة أخرى من حياته، عمل خلال الفترة من 1954 إلى 1956م، محاميا، وترافع في قضايا النساء، فأطلق عليه لقب "وكيل المطلّقات"، وانتهت مسيرة حياته في 30 أغسطس/آب من العام 1999.