عن "صالح" رائد الاجتماع اليماني

السياسية - الجمعة 03 ديسمبر 2021 الساعة 06:13 م
نيوزيمن، كتب: عبدالسلام القيسي:

لم تكن خسارتنا صالح يمنية فحسب، بل خسارة قومية لرجل تشرأب بالزمن العروبي ونهج النهج القومي بسحنته اليمنية ودونما إفراط أو تفريط.

وهو القبيلي الذي أسس حكمه بالمؤتمر الشعبي لليمن، فتأسيس المؤتمر كان وثيقة اجتماعية يمنية أكثر من كونها حزبية لشكل اليمن القادم ومزجه القبيلة والدولة أنتج مؤسسية يمنية وجمهورية وتحويله القبيلة التي كانت ضد أشكال الدولة إلى حامية للدولة أرسى الدعامة الوطنية.

استفاد صالح من أغلاط الذين سبقوه في الحكم، أذاب العداء بين الجهويات اليمنية وحولهم بالمؤتمر إلى جسد واحد.

وأعرف وجاهات قبلية ذوب المؤتمر حالة الحقد والدماء التي بينها لانتمائها له، وللميثاق الوطني الذي جمع شتات اليمنيين، من كل الأحزاب والجماعات، وفق هوية جامعة.

يجب قراءة مرحلة صالح بذكرى استشهاده بعين اجتماعية وكيف نط صالح بالمجتمع اليمني من حالة الجهل إلى المعرفة ومن الحالة اليمنية المنغلقة إلى الحالة العربية والعالمية وتعالى اسم اليمن كواحدة من الدول في العالم الثالث التي لها شأن بالسياسات في المنطقة وفي العالم وكلمتها ذات الصوت المبحوح، والجهور بصوت صالح، وكاريزماه.

بحس العارف، والخبير بتركيبة المجتمع اليماني أدرك صالح أن القفز إلى قضايا كبيرة وعروبية كون شعبه من أكثر الشعوب تمسكا بمُثُل الوطن العربي هو الطريق الوحيد كي يشغل ذهنية المجتمع عن مشاكله الصغيرة بقضايا هامة، الصراع العربي الإسرائيلي، والعربي الفارسي، ويكسب في كلتا الحالتين: يعيد تشكيل ذهن شعبه بالهموم الحقيقية ويخرجهم من دياجير الصراع السحيق والثانية يقوم بدوره عربياً في سبيل قضية الوطن الأم، منجاة لليمن والأشقاء، فكان إسناده بالجند للبنان أولى خطواته وبعد توليه منصب الرئيس بثلاث سنوات، وجده شعبه أسا في معركة لبنان ضد الكيان الغاصب وأطلق القبيلي اليماني العنان لقلبه وجهة لبنان، كمتطوعين، عوضاً عن الموت بمترس قبلي بين قبيلة وقبيلة أو القبيلة والدولة، ثم انتقل بهم ومعهم ناحية العراق وإرساله العسكر، كقطب مهم في المعركة، وبطريقة رسمية، والمتطوعين، وبروز صوت صالح في الحرب الإيرانية العراقية، كل ذلك أعاد ترتيب اهتمامات الشعب اليمني، كفرد، وكقبيلة، وشخصيات، وأحزاب، ومسؤولين، وأصبح السباق على من يمثل هموم ومعركة العرب جارياً في الساحة اليمنية. وهدأت البلاد ومكنته صولاته في الشأن العربي من تحقيق الوحدة اليمنية كخيار شعبي لكلا الشطرين.

عجزت مؤسسة الجمهورية الفتية في إدارة المرحلة قبل صالح، ظن الجميع أن الجيش يمكنه إخماد العصبيات وتناسوا حقيقة أن الفرد في جيش الجمهورية منتمٍ لخيارات قبلية، ولقبيلة، وبذلك فشل الحمدي في الصراع وذهب ضحيته، فالدولة هي شكل قبلي، وتعميق المشكلة بين الدولة والقبيلة إنهاء للدولة الفتية، القبيلي فرد من شعب، وبظل وعي جبلي أشعث وتعصب مشيخي ملفت لا يمكنك التلويح بالسكين للمشايخ والوجاهات في مرحلة لم تنته طبيعة المجتمع، ومشيخاته الحاكمة، والتي لم تنته بالمعنى الكلي إلى الآن.

لذا قام صالح وفق نهجه المتبع إلى إيجاد صلح عام وبطريقة عفوية بين المؤسسات والمشيخات، وحول مشايخ القبائل إلى مسؤولين وإلى قيادات للمؤتمر، وإلى رجال أمن، وإلى رجال أعمال.

أن يكون الشيخ يداً للدولة، وأن يكون في أحايين كثيرة ضابط الأمن، والبرلماني، وأن يكون ذا صلة وله قول ورأي فذلك يتيح العمل الجمهوري والمدني بتأنٍ ويمهد طريقاً مستقياً لجيوش الوعي التي سوف تستحل الذهنية اليمنية، وحول الكبار الذين كانوا يرون قبل سنوات من حكمه التعليم عيباً إلى محبيه وداعميه، ولَطَف العقلية المتعصبة، وحفظه _وأقصد الرئيس_ لمكانتهم مكنه من النجاح.

الإنسان كائن متوحش، بالطبع، واليمني يتوحش أكثر بالدفاع عن مكانته ولا يضرك أن تحفظ مكانة الناس والكبار، وأن تنزل الوجهاء منازلهم وأن تأخذ باللين ما لا تأخذه بالقوة وهكذا فعل صالح وقبل حكمه كانت الدوريات التي تبحث بالغصب عن مجندين للجيش تطوف البلاد قبيلة قبيلة وتجبر المشايخ وتسجنهم ويفر الجند من ثكناتهم لإحساس القبائل أن الجيش عدو للقبيلة، ولكون حكام ما قبل صالح لم يفهموا التركيبة الاجتماعية، ولكن بحكم صالح الذي أوضح لهم برفق وحفظ لهم مكانتهم أن الجيش ليس عدواً للقبيلة، بل حاميا للجميع.

وبعد ملاحظتهم الدور العروبي للمقاتل اليمني في الخارطة العربية أصبح الانتماء شرفاً للفرد والجيش حلماً لليمني.

وبإمكانكم العودة إلى آبائكم وجدودكم وجداتكم لإخباركم كيف كانت الدولة تفرض على كل شيخ بالغصب عدداً للتجند فيفرون وتضطر الدولة للقبض على المشايخ حتى عودة الفارة، وهكذا دواليك، إلى أن أتى صالح وأخبرهم بلين أن الدولة دولة الجميع، والمجال مفتوح للمنافسة، والتشارك والحكم وفتح ميدانا للسبق والرهان بين الكبار، للظفر بالمكانة، حسب خدماته المفيدة للدولة، وهكذا تشكل اليمن الجديد، وبذكاء.

في أحايين كثيرة، يتهمون صالح أنه جعل مشاريعه في الطرقات والمدارس فقط، أي لم يسل موازنة البلاد والداعمين إلى مشاريع حركية تدر الدخل، وكثير من المتكلمين ناقشوا هذه الجزئية، لكنهم بقلة وعيهم بالتركيبة الاجتماعية اليمنية أخطأوا، إذ القطيعة بين اليمنيين، والوعورة التي تفصل بين القرية والقرية، إن لم نقل المديرية والمديرية والمدينة والمدينة والسواتر الجبلية وعوائق الطبيعة، مكنت من هذه القطيعة، والقطيعة ولدت الخصوصيات، فلكل جهة أو قبيلة خصوصيتها والخصوصية ولدت التوحش والخصومات والسبيل الواحد لتوثيق عرى الناس وفق هوية واحدة هي ربط الجهات والمحلات بشبكات الطرق، التي كانت من أكثر المشاريع والتي جففت منبع دخل الدولة.

وهذه الخارطة من الاسفلت التي تصافحت بين المحافظات والمدن والأرياف مزجت المجتمع اليماني بهوياته الكثيرة وحولتهم إلى هوية واحدة ومكنت المؤسسات من إدارة شؤون الناس وكذلك المدارس أوجدت حالة جامعة بين الناس، فالناس أصل كل حكاية، وكل دولة. ويضحكني سخرية المتكلمين من شبكة الطرق، التي مثلت ما مثلته السكك الحديدية وقت الصراع الامبراطوري بين بريطانيا وألمانيا والدولة العثمانية.

وللتأكيد على ذلك عودوا إلى إرشيف القبيلة اليمنية وكيف كان المشايخ يرفضون فتح ومسح وسفلتة الطرق قبل صالح لشعورهم أن الدولة ستنافسهم على حكم قبائلهم وكيف تحولوا إلى لاهثين خلف الدولة لإيصال الطريق إلى أريافهم بمرحلة حكم الرئيس صالح، وكل ذلك يعود إلى انتزاع الخوف القبلي من الدولة، وإشراكهم بالدولة، وذكاء صالح في إيجاد صلح اجتماعي عام.

هذه جزئية بسيطة من الذكاء الاجتماعي لصالح، الذي أقبل للحكم من طبقة الفلاحين ومن عمق المجتمع ويدرك نفسيات الناس ومصالحهم، وخوفهم، وماذا يريدون. فحفظه لمكانة الناس أخمد حربهم ضد بروز طبقة جديدة، وبذلك برزت طبقة متعلمة، وتنافس القبليون على التعليم وربطات العنق، وتحول أبناء الذوات إلى أطباء ومهندسين ومفكرين.

الرهان الذي كسبه صالح هو تمدين القبيلة، وتذويب الجهويات، ونبذ الخصومات، وجعل الشيخ والرعوي يتنافسان على مقعد بالبرلمان وقبل سنوات من ذلك كان الرعوي يخشى أن يرفع نظره بوجود الشيخ.

وعندما تأصلت طبقية واحدة وهي الديمقراطية كنتاج لما ذكرت كان علي عبدالله صالح قد أوجد الجمهورية اليمنية التي تحتاج إلى التشييد الطبيعي كما كل الدول وما تلك الفترة من توليه الحكم لمن يقرأ الظرف الاجتماعي إلا مرحلة ما قبل الخلق، خلق اليمن الجديد، إلى بداية الألفية الثالثة، وعام ألفين خُلِق يمن المدنية، اليمن الجديد الديمقراطي، وبدأت مرحلة العلو، وتخلى الناس عن بنادقهم وعن توحشهم، كليةً، وتنافس الناس على البدلات والتجارة، وتحول شيوخ حول صنعاء إلى رؤوس أموال وتجار يحمون صنعاء بأعينهم حفظاً لمصالحهم بعد أن كانت غنيمة وحرباً.

لكن المولود الجمهوري الذي خلقه صالح قتلوه، أعادوه إلى ماضٍ سحيق، خندقوه منذ تعلم النطق، فسنوات من المعارضة وإفشال النموذج الوليد شيعته إلى المقبرة.

واستشهد صالح وهو يواجه الكهنوت الإمامي الذي عاد مرة أخرى تحمله ظهور القبائل والطوابير التي علمها صالح بفوضاهم الخلاقة، ولم يمت صالح إلا وهو يرى كل تعبه راح، مات فرحاً بالموت من عيشة الوجع على عرق السنوات ومطلقاً آخر رصاصاته بوجه الكهنوت الأسود ونَفَسُه الأخير تنفسه بشغف المقبل على الله.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك