أجنحة الحوثي.. التفاوض لزعيمها والإيرادات للمشاط والحكومة لمحفوظ

الحوثي تحت المجهر - الخميس 18 أغسطس 2022 الساعة 12:16 م
صنعاء، نيوزيمن، تقرير خاص:

كشفت مصادر مطلعة في صنعاء عن قيام مكتب زعيم المليشيات الحوثية الذارع الإيرانية في اليمن، بتقسيم الصلاحيات بين عدد من قيادات الحركة بعد تصاعد خلافاتها وصراعاتها على مصالح النفوذ والسلطة.

وقالت المصادر لنيوزيمن: إن ثمة ثلاثة أجنحة قوية داخل سلطة المليشيات في صنعاء باتت هي التي تملك زمام الأمور وتتحكم بآليات وعمل مختلف المؤسسات الخاصة لسلطة المليشيات والتي تختفي تحت يافطة الشكل الظاهر لمؤسسات الدولة التي لم يعد لها من وجود سوى البرواز الخارجي الذي يظهر في الإعلام تحت مسمى المجلس السياسي الأعلى وحكومة الإنقاذ، فيما تدار كل الأمور عبر لجان المليشيات وهياكلها التي استحدثت خارج إطار الدستور والقوانين النافذة.

وحسب المصادر فإن الخلافات بلغت أشدها بين كل من القيادي ورئيس ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، ومدير مكتبه أحمد حامد (أبو محفوظ)، ومحمد علي الحوثي عضو المجلس السياسي الأعلى، حيث حاول كل واحد منهم أن يستغل نفوذه ليصبح الرجل الأول وصاحب النفوذ الأكبر في سلطة المليشيات وهو الأمر الذي تسبب بخلافات عميقة كادت تنذر بكارثة، خصوصا بعد أن بدأت تلك الخلافات تنعكس في المهاترات والتسريبات الإعلامية التي تهاجم هذا الطرف أو ذاك.

وتؤكد المصادر أن مهدي المشاط حاول تقديم استقالته إلى مكتب زعيم المليشيات أكثر من مرتين بسبب شعوره بأن كلا من مدير مكتبه أحمد حامد، وعضو المجلس السياسي محمد علي الحوثي يحاولان سلبه صلاحيات منصبه باعتباره رئيس المجلس السياسي الأعلى الذي يفترض أنه السلطة التي تقوم مقام رئيس الجمهورية وتحظى بصلاحياتها الدستورية والقانونية، فيما حاول حامد أن يستغل منصبه كمدير لمكتب الرئاسة ليمارس صلاحيات الرئيس بعلم أو بدون علم المشاط، وانسحب هذا الوضع على القيادي محمد علي الحوثي الذي يشغل منصب عضو المجلس السياسي لكنه يشعر بأنه كان الأولى بأن يكون مكان المشاط، خصوصا وأنه هو من تولى رئاسة ما يسمى باللجنة الثورية العليا للحوثيين والتي نفذت مشروع انقلابها على السلطة في 21 سبتمبر 2014م وعمدته بما يسمى بالإعلان الدستوري في فبراير 2015م والذي ألغى سلطات الدولة الشرعية واستبدلها بما يسمى اللجنة الثورية العليا.

المشاط مشرفاً مالياً

وتكشف المصادر التي تحدثت لنيوزيمن، أنه وبعد تصاعد الخلافات بين الأجنحة الحوثية في سلطة صنعاء ورفع تقرير من جهاز الاستخبارات الحوثي إلى زعيم المليشيات عن مخاطر استمرار وتصاعد هذه الخلافات اضطر مكتب زعيم المليشيات إلى استدعاء كل من: مهدي المشاط، ومحمد علي الحوثي، وأحمد حامد، لعقد لقاء بينهم وبين زعيم المليشيات عبدالملك الحوثي، حيث ناقش اللقاء طبيعة وأسباب الخلافات بين الأطراف الثلاثة وانتهى بما يمكن تسميته تقسيم النفوذ بين الأجنحة الثلاثة.

ووفقا للمصادر، فقد وزع زعيم المليشيات عبدالملك الحوثي نفوذ السلطة وحق الإشراف والتصرف وإصدار القرارات بين القيادات أو الأجنحة الثلاثة بحيث أعطى لكل واحد منهم مهمة مختلفة عن الآخر، لكنها جميعا تصب في صالح تنفيذ سياسات وتوجهات المليشيات وتحتكم في خلافاتها إلى مكتبه الذي نص الاتفاق على أن يُرفع إليه تقرير يومي مفصل من كل واحد منهم عن سير الأداء في المرافق التي يشرف عليها.

وتشير المصادر إلى أن التقسيم قضى بأن يتولى مهدي المشاط رئيس ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى مهمة الإشراف على الإيرادات والجبايات المالية عبر ما يسمى باللجنة الاقتصادية العليا، حيث يتبع هذه الجهة كل من وزير المالية في حكومة المليشيات ورئيس البنك المركزي، والجهات الإيرادية مثل الهيئة العامة للزكاة، والهيئة العامة للأوقاف، ومصالح الضرائب والجمارك، وشركة النفط وغيرها من الجهات ذات الطبيعة الإيرادية والتي تتولى مسؤولية تحصيل الجبايات أكانت قانونية أو غير قانونية.

وتشير المصادر إلى أن المشاط بات هو الذي يتولى الإشراف على عملية تحصيل وجباية الأموال وتوريدها إلى حسابات خاصة تابعة لما يسمى اللجنة الاقتصادية وهي المخولة بإشراف منه بمتابعة توريد الأموال وتحويلها وفقا لتوجيهات شخصية منه، وبما يضمن استخدامها في دعم ما يسمى بالمجهود الحربي للمليشيات من جهة، ومن جهة أخرى في إنشاء مشاريع استثمارية خاصة بالحوثيين، منها مشاريع داخل اليمن وخصوصا في صنعاء، ومنها مشاريع خارجية خصوصا في سلطنة عمان ولبنان.

وتستطرد المصادر في التوضيح بأنه ورغم كون وزير المالية في حكومة المليشيات رشيد أبو لحوم أحد أعضاء الحكومة إلا أنه بات يمارس صلاحياته واختصاصاته بإشراف مباشر من مهدي المشاط ولم يعد لمجلس الوزراء ولا لرئيسه الدكتور عبدالعزيز بن حبتور أي صلاحية عليه، حيث لم يعد وزير المالية ينفذ أي توجيهات سوى توجيهات المشاط الذي بات يزوده بتقرير يومي تفصيلي عن الحركة الإيرادية للأموال بما يتبع ذلك من إمكانية تصرفهما في تحويل الكثير من المبالغ وتخصيصها في حسابات شخصية خاصة، أو توريدها إلى حسابات تابعة للمليشيات.

وتدلل المصادر على أن هذا الإشراف هو العامل الأهم في عدم قدرة بقية الأجنحة والقيادات الحوثية المساس بوزير المالية رغم شنهم حملات إعلامية تتهمه بالفساد المالي والإداري وهي تهم وجهت له من قيادات حوثية بعضهم مسؤولون في مناصب تنفيذية وإعلامية وبعضهم نشطاء، وكان أبرز تلك الاتهامات الحملة التي أدارها رئيس تحرير صحيفة الثورة عبدالرحمن الاهنومي أحد القيادات الإعلامية التابعة للمليشيات، فضلا عن الحملة التي تشنها مؤسسة المياه التي دخلت في خلافات كبيرة مع وزير المالية على خلفية الصراع معه على ممارسة صلاحياته وتعمده مصادرة الأموال والميزانيات المخصصة لها.

وترجع المصادر سبب الدعم والمساندة القوية من مهدي المشاط ومن خلفه مكتب زعيم المليشيات عبدالملك الحوثي لوزير المالية رغم فساده إلى كونه ينفذ بنجاح سياسة تقليص الاعتمادات والموازنات المالية المخصصة لكثير من المؤسسات الحكومية وتحويلها لصالح ما يسمى بالمجهود الحربي، بالإضافة إلى تحويله مبالغ الجبايات المالية من مختلف الجهات الإيرادية إلى الحسابات الخاصة التي تديرها وتشرف عليها القيادة العليا للحوثيين وفي مقدمتهم مكتب زعيم المليشيات، ومهدي المشاط، واللجنة الاقتصادية وهي وحدها الجهات المخولة من قبل زعيم الحوثيين لإدارة الجوانب المالية.

الحوثي مشرفاً أمنياً وقضائياً

ثاني الأطراف المتصارعة على النفوذ في سلطة المليشيات هو محمد علي الحوثي الذي كان يشغل منصب رئيس اللجنة الثورية العليا التي تولت إدارة دفة السلطة عقب إعلان المليشيات ما يسمى بإعلانها الدستوري في فبراير 2015م والذي استكملت بموجبه انقلابها الذي بدأته في 21 سبتمبر 2014م، حيث أعلنت حل سلطات الدولة وعلى رأسها سلطة رئيس الجمهورية وسلطات مجالس النواب والشورى والوزراء وحلت هي محلها في الحكم وإدارة السلطة والدولة بمبرر تنفيذ أهداف ثورة المليشيات، قبل أن يؤدي الاتفاق السياسي على إدارة شؤون الدولة بين الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام في يوليو 2016م إلى عودة عمل مجلس النواب والشورى وإنشاء ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى ليكون سلطة تنفيذية عليا يتبعها حكومة إنقاذ وطنية تتولى مهمة إدارة وزارة ومؤسسات السلطة المركزية والمحلية.

وعقب ذلك الاتفاق شعر محمد علي الحوثي بأنه فقد نفوذه وصلاحياته ومركزه وحاول جاهدا الإبقاء على ما يسمى باللجان الثورية التي ظل يستخدم اسمها في حضوره السياسي والشعبي، إلى أن تم تعيينه عضوا في المجلس السياسي الأعلى ومن يومها بدأ يستغل منصبه هذا في إعادة نفوذه وصلاحياته بطرق شتى أدت إلى بروز وتصاعد الخلافات بينه وبين المشاط من جهة وبينه وبين حامد من جهة أخرى.

المصادر التي تحدثت لنيوزيمن أشارت إلى أن زعيم المليشيات منح محمد علي الحوثي صلاحيات الإشرافاف على الجانب الأمني ممثلا بوزارة الداخلية وبالأجهزة الأمنية الأخرى كالمخابرات وغيرها، وأيضا الإشراف على السلطة القضائية، حيث تم استحداث منصب رئيس المنظومة العدلية وايكاله للحوثي ليصبح بذلك متحكما في أهم سلطة مستقلة داخل الدولة وهي السلطة القضائية.

ورغم وجود منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يفترض أن يكون هو المخول بالإشراف وإدارة السلطة القضائية بمختلف فروعها وبالتنسيق مع السلطة التنفيذية العليا (المجلس السياسي) إلا أن محمد علي الحوثي ومن خلال منصبه رئيسا للمنظومة العدلية بات هو المتحكم بكل مفاصل هذه السلطة والآمر الناهي فيها، حتى إنه حسب المصادر بات يرفض ويعترض على أي قرارات يصدرها رئيس المجلس السياسي بشأن تشكيل لجان قضائية أو تعيينات في مفاصل هذه السلطة كرؤساء محاكم، أو نيابات دون تنسيق وترشيح مسبق منها حتى إنه عطل عمل كثير من اللجان القضائية التي شكلت من قبل المشاط لحل بعض المشاكل المتعلقة بأوضاع أراضي وعقارات الدولة.

حامد مشرفاً على الحكومة والمساعدات

يعد القيادي أحمد حامد (أبو محفوظ) أحد أبرز القيادات الحوثية ذات النفوذ والتأثير في صنع القرار داخل سلطة المليشيات حتى قبل أن يصبح مديرا لمكتب الرئاسة وأثناء توليه حقيبة الإعلام في حكومة الإنقاذ التي تشكلت عام 2016م بعد الاتفاق بين الحوثيين والمؤتمر، ولذلك وبمجرد تعيينه في منصب مدير مكتب الرئاسة تضاعفت سلطته وصلاحياته ونفوذه وبات هو الرجل الأهم والقوي داخل سلطة المليشيات حتى إنه بات يسمى (رئيس الرئيس) في إشارة إلى تحكمه بمختلف الصلاحيات الرئاسية والتنفيذية.

نفوذ حامد جعله محط انتقادات واسعة من قيادات المليشيات الحوثية التي شنت ضده حملات إعلامية كثيرة، لكنه استطاع مواجهتها من خلال علاقته القوية بزعيم المليشيات عبدالملك الحوثي الذي تقول المصادر إنه كان يرد على كل من يشكو حامد إليه بالإشارة إلى أن الأخير واحد من أوائل من آمنوا بحركة التمرد التي أسسسها الصريع حسين الحوثي وقاتل بجانبه منذ الحرب الأولى التي شنتها الدولة لإخماد التمرد في صعدة عام 2004م  والتي انتهت بمصرع مؤسس المليشيات حسين بدرالدين الحوثي.

ونتيجة لتزايد حدة الانتقادات التي وجهت له والاتهامات المتصاعدة له بالفساد وأنه أصبح أقوى رجل في سلطة المليشيات والشكاوى الكثيرة به عمد زعيم المليشيات وفي إطار محاولاته لاحتواء الصراعات إلى إيكال مهمة الإشراف المباشر على الحكومة وكل ما يتصل بالسلطة التنفيذية، فضلا عن مهمة الإشراف على قضية إدارة المساعدات الإغاثية الممولة من المنظمات الدولية عبر ما يسمى بالمجلس الأعلى للشؤون الإنسانية لتكون من صلاحيات أحمد حامد.

وتقول المصادر إن حامد ضمن بذلك عدم نشوء خلاف بينه وبين مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الذي بات مشغولا بالجانب المالي، وفي الوقت نفسه ضمن نفوذه القوي فيما يخص تحكمه الكامل بالجانب التنفيذي بما يعنيه ذلك من توليه مهمة اختيار القيادات التي يتم إصدار قرارات بتعيينها في مختلف مؤسسات ومرافق الدولة وسلطاتها، وبحيث لم يعد للمشاط سوى صلاحية توقيع قرارات التعيين، فضلا عن توجيهاته للحكومة كسلطة ولوزاراتها منفردة بكل ما يريد تنفيذه من سياسات أو توجهات تخدم مصالح المليشيات، وصولا إلى توليه مهمة الإشراف على الجبايات المالية المتصلة بالمساعدات الإغاثية المقدمة من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وهو ما يمكنه من التحكم بملايين الدولارات.

التفاوض محتكر لزعيم المليشيات

وفي المقابل منح زعيم المليشيات عبدالملك الحوثي، كما تقول المصادر، نفسه صلاحية الإشراف على الجميع من جهة عبر مكتبه، ومن جهة أخرى صلاحية متفردة تمثلت باحتكاره حق اتخاذ القرار، فيما يخص الجانب التفاوضي الخارجي الذي يتولاه الناطق باسم المليشيات محمد عبدالسلام باعتباره رئيس ما يسمى بالوفد الوطني للتفاوض وهو هيكل شكلي نزعت صلاحياته ومنحت لعبدالسلام ومعه عضو آخر من قيادات المليشيات المدعو عبدالملك العجري واللذين يقيمان في العاصمة العمانية مسقط ويتوليان مهمة إدارة ملف التفاوض الخارجي بشكل كامل عبر التواصل مع زعيم المليشيات فقط، فيما لم توكل للمجلس السياسي أو حكومة المليشيات أو وزارة خارجيتها أي صلاحيات سوى مجرد صلاحيات شكلية تنحصر في عقد لقاءات مع المسؤولين الدوليين ومنهم المبعوث الأممي في حال زيارته إلى صنعاء أو مع وفود الوسطاء كما هو الحال مع وفد الوساطة العمانية.

المصادر التي تحدثت لنيوزيمن ورغم إشارتها إلى أن ما قام به زعيم المليشيات خفف إلى درجة كبيرة من حدة الصراعات والخلافات بين الأجنحة الثلاثة في سباقها على النفوذ والسلطة، إلا أنه لم ينهِ تلك الخلافات والصراعات بشكل نهائي، بل إنه أسهم من ناحية في حدوث شلل كامل لمؤسسات الدولة التي باتت بلا صلاحيات، وفي الوقت نفسه مكن هذه الشخصيات الثلاث من توسيع نفوذها وتحولها إلى مراكز قوى يحاول كل واحد منها الاستئثار بالحكم لوحده ومهما توقفت الحملات الإعلامية بين هذه الأطراف لفترة إلا أنها ستعود للظهور مع أول صدام مباشر بينهم.

وتختتم المصادر بالقول: إن صراع المصالح بين أجنحة المليشيات سيعود في أي لحظة، خصوصا وأن الخلافات باتت تتركز في الآونة الأخيرة على مسألة النفوذ المتصلة بقضيتين: الأولى التعيينات التي تتم داخل مؤسسات ومرافق الدولة، حيث يحاول كل طرف أن يعين موالين له، والقضية الأخرى هي التحكم بمصادر الأموال والجبايات والتي تعد أهم مصدر للقدرة على استمالة وحشد وضمان ولاء القيادات في مختلف مؤسسات وسلطات الدولة، وهو ما يجعل نشوب الصراعات وخروجها إلى العلن أمرا واردا في أي وقت.