د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

"جباري وبن دغر": دعوة كسيحة إلى حوار أعمى!

الخميس 02 ديسمبر 2021 الساعة 09:03 م

لن تدوم الحرب في اليمن إلى الأبد، ولا مناص من الحوار في نهاية المطاف، بما يستوعب كل الفرقاء والحلفاء والقوى والمكونات، في حل المشكلة، وفي تنفيذ الحل، وفي بناء وإدارة المستقبل، وفق مبدأ الشراكة والقيم الوطنية الجامعة.

لكن هذا المطلب النبيل. طُرح ألف مرة ومرة، من قبل، كما يزداد باستمرار زخم الأصوات الداعية إليه. توازياً من ازدياد أهوال الحرب والأزمات وتبعاتهما ومخاطرهما العميقة الشاملة. وصولاً إلى ما تم طرحه مؤخراً من خلال طرفين متباعدين: 

الأول: الحزبان: الاشتراكي والناصري، في "بيان تحية وإكبار للذكرى الـ54 للاستقلال الوطني الكبير".

الثاني: الشخصان: جباري وبن دغر في بيان بدأ هو الآخر بديباجة عن ذكرى الاستقلال والجلاء.

لكن هذا لا يعني أننا مقبلون على مرحلة وردية من الحوار الشامل والسلام الدائم.

لماذا؟!

لأن كل الأصوات والمبادرات والمقترحات الداعية للحوار منذ بداية الحرب كانت تذهب أدراج الرياح.!

ولماذا كانت تذهب أدراج الرياح؟!

لأنها. وفي كل مرة. كانت تفتقد: إما للواقعية، أو للبعد العملي، أو للقوة والأهمية، أو للجدية والنزاهة. أو لأكثر من عنصر من هذه العناصر المهمة بالضرورة لتحويل الحلم بالحوار والسلام إلى واقع مادي على الأرض: 

أولاً. من حيث الواقعية: تشترط العملية قبل وبعد كل شيء وصول الفرقاء إلى هذه القناعة التي ليست متوفرة حتى الآن.

في بيانهما المشترك لم يوضح "جباري. بن دغر" كيف يمكن إقناع جماعة إمامية جهادية مسلحة، مرتبطة وجوديا وأيديولوجيا وسلوكيا بالحرب، بالقيام "فوراً" بالتخلي عن السلاح، وإيقاف الحرب، والانخراط في "حوار وطني شامل" ضد الإمامة.!

يشبه الأمر مطالبتها بالانتحار، بمعنى أن هذه الدعوة خيالية هلامية متناقضة تفتقد للرؤية الواقعية تجاه الجماعة الحوثية، وهو ما يفسر الترحيب الفوري للحوثيين بها وتأييدهم لها من خلال القيادي محمد البخيتي.!

ثانياً. على الصعيد العملي: تشترط الدعوة للحوار، أن تكون مشفوعة بتصور واضح متكامل، وخارطة طريق عملية، محددة العموميات والتفاصيل، مزمنّة الخطوات والمراحل.

هذا العنصر غائب تماماً عن دعوة "جباري. بن دغر"، ما يجعلها كما هي في الحقيقة. مجرد نص طوباوي مقتضب أشبه بموعظة روتينية قصيرة، متعالية عن المنطق وحيثيات المشكلة.

ثالثاً. من حيث القوة والأهمية: يُفترض تبني مطلب الحوار من قبل جهة قوية مؤثرة قادرة على فرض أوراقها على الأطراف الأخرى الحليفة والمناوئة، وإقناع المجتمع الدولي بتبنيها. 

من هنا. تأتي أهمية الدعوة لوحدة الصف الجمهوري، من قبل "المكتب السياسي"، وكذلك الدعوة لقيام تحالف واسع بين الكيانات والمكونات الوطنية. من قبل الحزبين: الاشتراكي والناصري.

من شأن تكتلات كبيرة قوية كهذه. خاصةً في ظل ضعف وخيبة وفشل "حكومة الشرعية"، ومن داخل الشرعية أو خارجها، أن تغير المعادلات السياسية والعسكرية، وتفرض نفسها بقوة في الحرب أو السلام.

على هذا المحك، وبالمقارنة. "جباري وبن دغر" رغم كونها مسئولين كبيرين في الشرعية، مجرد شلة، بلا أي أهمية أو قدرات وأدوات ضغط لجعل دعوتهما محل اهتمام ونظر من قبل الآخرين، بغض النظر عن الضجة التي تسببت بها في مواقع التواصل الاجتماعي.

- أخيراً. على صعيد الجدية والنزاهة: تقتضي الدعوة للحوار أن لا يكون هذا المطلب مادة للمناورة السياسية، والمخاتلة الانتهازية، والمزايدة على الداخل والخارج.

وهذا ما لا تعكسه دعوة "جباري. بن دغر": بشأن الجدية، لم يقدم الرجلان هذه الدعوة كحل للمشكلة اليمنية، بل كمشكلة للحلول التي قدمها آخرون، بدايةً بالتشويش على انتصارات القوات المشتركة في الساحل الغربي، ومحاولة كبح تمددها، مجددا، كما فعلت الشرعية قبل سنوات من خلال الهرولة والموافقة على حوار ستوكهولم.

كما تهدف مبادرة الرجلين أيضاً إلى التشويش على الدعوة المسئولة التي قدمها الحزبان: الناصري والاشتراكي، الدعوة التي أتمنى أن تكتمل ببرنامج وآليات منفذة، وبطبيعة الحال هناك فروق كبيرة بين الدعوتين والمشروعين: 

- دعوة الحزبين: الناصري والاشتراكي. محاولة حسنة النية. لإصلاح كيان ووظائف الشرعية بعمق، والدخول بها -كطرف قوي متماسك- في الحرب أو الحوار مع الحوثي.

- في المقابل. يتضمن طرح "جباري. بن دغر"، هدم الشرعية وبناء كيان بديل يعمل على إيقاف الحرب فورا والدخول تواً في حوار شامل!.

أما بشأن النزاهة. تاريخ الرجلين معروف، وهما عموما غير لائقين لتقديم مثل هذه الدعوة التي طرحت مرارا، بحسن أو بسوء نية، حتى من قبل أشخاص لطالما كانوا من أبرز عتاولة الفساد، ودعاة الشقاق وأمراء ومسعري الحرب.