د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

عبد العزيز المقالح (1937 - 2022م).. الفقيد الذي ما زال يقاتل.!

السبت 03 ديسمبر 2022 الساعة 07:18 م

حدث ذلك بالصدفة عندما كنت صبيا في المرحلة الإعدادية، وقع بين يدي كتاب بلا غلاف مهترئ من كثرة التداول، وبتصفحه عرفت أنه يتحدث عن شاعر يمني كبير سمعت باسمه مسبقا هو "المقالح"، واستوقفتني بشكل خاص قصيدتان: الأولى مطلعها:

يوما تغنى في منافينا القدر .. لا بد من صنعا وإن طال السفر

والثانية:

وثأرت يا صنعاء 

رفعت رؤوسنا بعد انكسار.

تأثرت بهما بشدة حتى أني حفظتهما حينها عفويا وبدون قصد، وفي الواقع، كان هذا أول وأهم لقاء لي، خارج مجلات الأطفال، بالثقافة عموما، وقراءة الكتب والدواوين الشعرية، والتعرف على الأفكار والقيم الفنية والثورية والوطنية.

قلت هذا للدكتور عبد العزيز المقالح، في لقائي الأول والأخير والوحيد بشخصه الكريم عام 2015م، تعبيرا عن الامتنان الكبير للأثر العميق الخلاق الذي أحدثه شعره في ثقافتي ووعيي، وفي ثقافة ووعي أمثالي على امتداد اليمن، وأضفت أنني تشرفت بهذا اللقاء الشخصي الذي كنت أتمناه منذ الصبا.

قال: أنا أيضا عرفتك منذ سنوات من خلال كتاباتك الثقافية والسياسية، وكنت أحب أن ألتقي بك. كنت أظنه لا يعرفني، لكن الرجل كان متابعا دقيقا للمشهد الثقافي اليمني، وفي غمرة تأثري بالموقف. قلت: إذن. شكرا لي، لأنني استطعت بكتاباتي لفت نظر شخص كبير مثلك. وضحكنا.

كنت قد قرأت معظم كتابات المقالح الشعرية والنثرية، وكتبت عنه الكثير خاصةً في رسالتي للدكتوراة التي تحولت إلى كتاب "عتبات النص الشعري العربي المعاصر"، وفي ذلك اللقاء القصير، تحدثنا عن أشياء كثيرة، أدبية ونقدية،  ثم دخلنا موضوع السياسة، كانت تداعيات ما يسمى "ثورات الربيع العربي" في اليمن، ما تزال ساخنة، فلفت نظره بشكل حاولت أن يكون مضحكا، إلى قصائده القديمة التي ينشرها من يسمون أنفسهم "الثوار"، ويزعمون أنها قصائد جديدة ويفسرون ويوظفون رموزها لصالح اندفاعاتهم الغوغائية الراهنة.!

ابتسم الرجل ثم عبر عن استهجانه لهذه الممارسات المنحطة، ومن الإطار الثوري التي تمارس ضمنه. شعرت بعظمة وسماقة قامة هذا الرجل في موقفه من هذا العبث والضحالة والسعار الثوري. والقائمين عليه. حاول هؤلاء منذ البداية جر المقالح إلى مربعهم الهلامي المكتظ بكل أنواع وأشكال الظواهر والمظاهر الاستبدادية والانتهازية والظلامية التي حاربها المقالح طوال حياته.!

لا حاجة للقول إن المقالح ثوري مخضرم عريق، وأحد أبرز وجوه ثورة 26 سبتمبر 1962م، وأنه في ثقافته ووعيه وتوجهه وثوريته الناضجة: داعية حداثة، ورائد تنوير، وصاحب قضية وطنية تقدمية، ومعلم أجيال، ومحارب من الطراز الأول في سبيل الحرية والتغيير والحداثة والمعاصرة.. وهذه الأشياء تجلب الأعداء أكثر من الأصدقاء. وكان للرجل أعداء وخصوم. كثر. جهات وقيم وأطراف. باتت هي من تمثل "الثورة" الجديدة الراهنة.!

ومن سخرية القدر أن هذه الأطراف والظواهر التي حاربها المقالح منذ البدء، هي الأكثر أبداءً للبكاء والعويل عليه بمناسبة وفاته: الإخوان الذين كفروه، وأباحوا دمه في حياته، وحاولوا تشويهه ووأده بكل السبل، و"الإماميون" الذين محاهم المقالح من عقول الأجيال اليمنية، واليوم يحاولون محوه من الذاكرة الجمعية.. لكن مثل "المقالح" لا يموت، ولا يقدر عليه المحو والنسيان، وما تزال معركته مستمرة مع مختلف القوى الظلامية، والكهنوت بمختلف أشكاله.