يقول قاسم سليماني، في أحد لقاءاته القليلة مع قناة "الميادين"، إنه يرى في عماد مغنية شبيهاً لـ "الأشتر النخعي"؛ وهو هنا يستحضر دور "السنيد" للرجلين: الأشتر بجانب علي، ومغنية بجانبه هو، واضعاً نفسه في موضع علي بن أبي طالب في حرب الهاشميين العلويين وبني أمية. كان اللقاء موجهاً للعرب عبر قناة تابعة لإيران، وفي حديث استغل انقساماتهم المزمنة القادمة من عهد القبيلة التي شكلت "أفخاذها" المذاهب المتقاتلة. لكن سليماني ذاته يقول في لقاء مع قناة إيرانية إنه يعمل من أجل عودة الإمبراطورية الفارسية كقومي فارسي عظيم؛ وهذا ما أعتقد أنه "سليماني الحقيقي"، أو على الأقل 70\% منه، إذا ما أبقينا 30\% لعقيدته المذهبية.
يعاني الإيرانيون من مزيج غريب: بين تقديس "آل البيت العرب" (بما فيهم الخميني والخامنئي)، وبين نظرة قومية فارسية تجاه العرب مليئة بالاستنقاص، بل وحتى الاحتقار. يزاوج الإيرانيون بين حلم الإمبراطورية التي سقطت بضربات الرومان ثم انهارت ذاتياً فاتحةً جغرافيتها للعرب، وبين حلم مذهبي يتمثل في "تمهيد الأرض" لخروج صاحب الزمان ونصرة الشيعة في كل مكان، واضعين كل ما دونهم بين "أعمى بصيرة" وبين "مستكبر" يمثل الاستكبار العالمي.
بمجرد أن قصف الأمريكيون والإسرائيليون طهران، وتأكد الإيرانيون من ذهاب رأس النظام الديني والسياسي، تجلت خلطة الحقد المذهبي والقومي لدى ضباط الحرس الثوري والجيش؛ فأمطروا مدن الجزيرة العربية بصواريخهم ومسيراتهم بحجة وجود "قواعد أمريكية" فيها، مستثنين القواعد الأمريكية الأكبر في تركيا وأذربيجان، ومستهدفين فنادق ومطارات مدنية في الإمارات والكويت والسعودية والبحرين وقطر وحتى عُمان، بطريقة يظهر فيها الحقد عميقاً بقدر "يوم كربلاء"، وأعمق بقدر لحظة دخول العرب "إيوان كسرى".
أثبت الإيرانيون للعرب -الذين يتبنون قصة أن إيران صديقة أو اعتَدلت أو أنها صاحبة عهود واتفاقات- أن ذلك كان كذباً على النفس؛ فلا "الاتفاق الصيني" حمى الرياض ورأس تنورة، ولا "الاجتهاد القطري" حمى الدوحة، ولا الاستماتة العمانية في خدمة إيران ووكلائها حمت "ميناء الدقم" من مسيرات الحقد القادم من زمان الساسانيين.
يستمر "تيه" الإخوان المسلمين والقوميين العرب في إدهاشي؛ كيف كان مشكلاً للعقلية العربية! حيث يرى هؤلاء تل أبيب تتلقى نفس الصواريخ التي تستهدف دبي والرياض والدوحة والكويت والمنامة، وتعيش نفس الظروف حالياً، بينما يخوض طياروها حرباً لقصف منصات تلك الصواريخ الإيرانية قبل أن تنطلق باتجاه تلك المدن جميعاً وليس تل أبيب فقط، وتشارك القوة الجوية الأمريكية بالتزام في المساعدة لحماية الجميع؛ ثم يرى العقل العربي "المعاق" بفكر الإخوان والقومية أن إيران أقرب له وهي تقصفه، من إسرائيل وهي تشاركه نفس الظروف بل وتدافع عنه!
هناك تيه عربي عن "المصالح"، وعن "الصح"، وعن "الحقيقة". ضباب شعاراتي كثيف خلّفه الإسلامويون والقومجيون يسبب توهاناً عربياً يغيظ الإنسان الواقعي البعيد عن الشعارات، والعيش في زمن مرّ فيه قرن على كتابات "جون ستيوارت ميل" والبراغماتية التي صنعت الحضارة، ولا يجد تفسيراً لهذا العقل العربي وتوهانه.
سيبقى ضباط الحرس الثوري يحلمون مثل سليماني، يطلقون صواريخهم على المدن العربية مع صرخات قومية فارسية ومذهبية دينية، وسيبقى الإسرائيليون يدكّون تلك المنصات ويفككون ذلك النظام ويساعدون أنفسهم والعرب من شر تلك الصواريخ. ولكن السؤال: إلى متى سيستمر العرب في النظر لإيران كحليف وإسرائيل كعدو برايكم؟!
من صفحة الكاتب على إكس
>
