من يتأمل المشهد اليمني اليوم يلاحظ مفارقة واضحة فبدلا من أن تتجه البوصلة نحو معركة استعادة العاصمة انشغلت بعض القوى السياسية بمعارك أخرى أصغر لكنها أكثر استنزافا الحقيقة التي يتداولها الناس في الشارع أصبحت تختصر المشهد كله قلوبهم في شارع التحرير داخل تعز وعيونهم تراقب ما يجري في المخا
في تعز حيث يفرض حزب الإصلاح نفوذه السياسي والعسكري تحولت المدينة إلى مركز القرار الفعلي لهم هناك أصبحت الحسابات تدور حول تثبيت النفوذ وإدارة الصراع المحلي بينما تراجع الحديث العملي عن معركة صنعاء إلى مستوى الشعارات والخطابات وهكذا بقيت القلوب في شارع التحرير بتعز وكأن المدينة أصبحت نهاية الطريق لا بدايته
لكن العيون في الوقت نفسه لا تفارق المخا فهناك يقود الفريق الركن طارق صالح مشروعا مختلفا على الساحل الغربي خلال سنوات قليلة استطاعت القوات التي يقودها تثبيت الجبهات وتأمين مناطق واسعة من الساحل وإعادة الحياة تدريجيا إلى مدينة كانت منهكة بالحرب وصنع مشاريع مدنية كبيرة لخدمة المجتمع عاد النشاط إلى الميناء والمطار وتحسنت الخدمات وبدأت المخا تستعيد موقعها كمدينة لها دور اقتصادي وعسكري مهم
هذه التحولات والإنجازات لم تمر بهدوء لدى خصومه السياسيين بل بدت وكأنها تصيبهم بحالة من القلق والغضب فبدلا من أن تقابل هذه النجاحات بالدعم أو على الأقل بالصمت تحولت المخا إلى هدف دائم للمراقبة والانتقاد يترقب البعض أي خطأ صغير قد يحدث هناك ليحوله إلى قضية كبرى ويشن من خلاله حملة تشويه واسعة
المفارقة أن من يركزون على أخطاء المخا يتجاهلون في الوقت نفسه أخطاءهم وإخفاقاتهم في مناطق نفوذهم وكأن المعادلة أصبحت واضحة تجاهل الفشل الداخلي والتركيز بكل القوة على أي زلة للآخرين إنها سياسة الهروب إلى الأمام فبدلا من معالجة الأخطاء وبناء نموذج ناجح يصبح الهدف هو هدم ما نجح فيه الآخرون
وهنا يظهر التناقض بوضوح فبدلا من أن تتوحد الجهود نحو الهدف الأكبر وهو استعادة العاصمة من سيطرة الحوثيين تتبدد الطاقات في صراعات جانبية بين القوى التي يفترض أنها في معسكر واحد وبهذا الشكل تتحول المعركة من مشروع وطني كبير إلى منافسة ضيقة على النفوذ والسمعة
والنتيجة أن الطريق نحو صنعاء يطول أكثر مما يجب ليس لأن المعركة مستحيلة بل لأن الانقسام والصراعات الداخلية تجعلها مؤجلة دائما وبينما ينشغل البعض في تعز بمعاركهم السياسية والإعلامية يواصل الحوثيون العمل في الميدان وبناء نفوذهم على الأرض
في النهاية لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا كان جزء من طاقته مكرسا لهدم إنجازات شركائه المفترضين فاليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المعارك بين حلفاء المعركة الواحدة بل يحتاج إلى بوصلة واضحة تعود لتشير إلى الهدف الحقيقي استعادة الدولة وإنهاء الانقسام وحتى يحدث ذلك ستظل القلوب في مكان والعيون في مكان آخر بينما تبقى صنعاء بعيدة عن الحسم
>
