عبدالله آل حامد

عبدالله آل حامد

تابعنى على

من "حاكمية الإخوان" إلى "ولاية الفقيه".. جذور العداء للنموذج الإماراتي

Monday 13 April 2026 الساعة 06:00 pm

في عالم السياسة، لا يتم تصويب السهام إلا نحو القمم التي تقف حائط صد أمام مشاريع الهيمنة، وما تعرضت له دولة الإمارات من صواريخ ومسيرات غدر وشائعات ممنهجة لا يمكن اعتباره وليد الصدفة، بل هو ضريبة الوعي الاستراتيجي الذي تبنته الدولة مبكراً في كشف زيف تيار الإسلام السياسي الراديكالي بشقيه.

 ليس عبثاً أن يتركز نصف العدوان الإيراني على دولة الإمارات، وأن تنفرد الإمارات بهذا الكم من الشائعات التي تستهدفها، وصولاً إلى اختصاص طهران للإمارات وحدها بمطالبة واهمة بتعويضات تحت ذريعة كذبة استخدام أراضينا لضرب الداخل الإيراني، وهو ما يعكس حالة من الهذيان السياسي الذي يحاول التغطية على فشل مشروع التمدد.

 الإمارات، التي أكدت مراراً سيادتها واستقلال قرارها، باتت اليوم خط الدفاع أمام تحالف غير مقدس، تعود جذوره إلى أربعينيات القرن الماضي؛ عندما وضع حسن البنا مع كل من القائد الشيعي محمد تقي القمي في الأربعينيات ونواب صفوي مؤسس التنظيم الثوري الإرهابي فدائيان إسلام في الخمسينيات لبنات التعاون بين الإخوان والولي الفقيه.

عندما أسس البنا جماعته وفتح أبوابه لعلماء الشيعة وقادتهم، كان يرسي أيديولوجية سلطة دينية تتجاوز الطائفة وتستهدف الدولة الوطنية جوهراً.. ومن تلك الأرضية نفسها استلهم الخميني نظريته في كتابه "الحكومة الإسلامية"، كما اتخذ لقب "المرشد الأعلى" متأثراً بسيرة مرشد الإخوان الأول حسن البنا. وبلغ حد افتتان الإخوان بالخميني إلى أنهم أبدوا استعدادهم لمبايعته، إيذاناً لإعلان عن مشروع مشترك يرى في الدولة الوطنية الحديثة عدواً وجودياً يجب هدمه لصالح كيانات أيديولوجية عابرة للحدود. 

كذلك نهل الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" من فكرة "الحاكمية" عند القطب الإخواني سيد قطب (الأب الفكري للتنظيمات الجهادية)، كما أنه لم يتوان عن ترجمة أشهر مجلداته إلى الفارسية، لتصبح من أكثر الكتب تداولاً في إيران. كما فعل الأمر نفسه خامنئي الذي تأثر في شبابه بأفكار سيد قطب وترجم كتبه، حيث كان ينظر إلى الإخوان بأنهم الفصيل "الأقرب" لهم من التنظيمات الإسلامية السنية، لذلك كان هناك دوماً تنسيق ودعم متبادل.

 إننا أمام محور لا يفرق بين المذاهب عندما يتعلق الأمر بالسلطة؛ فإيران اليوم هي الراعي لـ"حماس" (أحد أجنحة الإخوان)، وهي التي تحالفت في التسعينيات مع حسن الترابي زعيم جماعة الإخوان المسلمين في السودان لتدبير الانقلابات، وهي التي احتضنت بذور تنظيم القاعدة عبر جماعات "الجهاد" و"الظواهري" التي انشقت عن الإخوان لتجد في حضن الثورة الخمينية ملاذاً وتنسيقاً.

وقد تجلى هذا الحقد ضد النموذج الإماراتي بوضوح خلال العدوان في بيانات وأبواق الإخوان وإيران عبر الفضاء الرقمي، مستقطباً زمرة من «المتأيرنين الجدد» الذين سقطوا في فخ سرديتهم المضللة. هؤلاء، بانسياقهم الأعمى، باتوا مجرد صدى لخطابات تستهدف سيادة الدولة الوطنية، متجاهلين أن هذا التحالف الأيديولوجي المشبوه لا يرى في المنطقة سوى ساحة لتنفيذ مآربه وتوسيع نفوذه.

وهنا تبرز دولة الإمارات كحالة استثنائية: نموذج لدولة وطنية حديثة نجحت في تحصين ذاتها من اختراقات الإسلام السياسي الراديكالي بكل تلاوينه، سواء العابر منها للحدود أو المتغلف بالشعارات الثورية.

لكن وهنا لا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى نمط آخر أشد خطورة من الخصومة الصريحة: تلك الدول التي تُظهر في العلن معارضتها لهذا المحور، بينما تسبغ عليه في الخفاء دعماً مكتوماً، خوفاً من طائلة انتقامه، أو سعياً وراء مكاسب آنية قصيرة النظر. 

هذه الدول تحسب أنها تشتري الأمان بثمن بخس، غافلة عن أن من يغذي التمساح طمعاً في النجاة، إنما يؤجل افتراسه ولا يمنعه، فالتحالفات المبنية على الخوف أو الطمع؛ هشة بطبيعتها، والمحور الأيديولوجي لا يكافئ المتذبذبين، بل يستثمرهم حتى ينتهي من استخدامهم. والتاريخ لم يرحم يوماً من آثر المهادنة على الموقف، فدفع ثمنها من رصيد سيادته.

 لذلك لا يمكن فصل تركيز العدوان الإيراني على الإمارات عن إدراك استراتيجي لطبيعة هذا النموذج: دولة منضبطة المؤسسات، رافضة لتحويل أراضيها إلى منصات صراع بالوكالة، ومتمسكة بمبدأ السيادة الصارم.. لذلك آثرت أن تكون في الصفوف الأمامية لمواجهة الراديكالية، وفضحت المخطط الذي جعل من الإسلامويين المتشددين مجرد أدوات في مشروع التوسع الإيراني.. واستهدافها بهذا العدد الكبير من الصواريخ أو المسيرات أو الأكاذيب ليس سوى اعتراف ضمني بأن الدولة الوطنية المستقرة هي النقيض القاتل لأوهامهم معاً.. ستبقى الإمارات شامخة بوعيها، صلبة بمواقفها، ولن تنال منها أحلام من يقتاتون على الفوضى. 

#الإمارات

#الدولة_الوطنية

#الإمارات_خط_أحمر

من صفحة الكاتب على إكس