بسام الإرياني
الأطفال والمراهقون في مرمى التعبئة الأيديولوجية الحوثية
لا تبدأ الجماعات العقائدية المسلحة بفرض سيطرتها من فوهة البندقية وحدها بل تبدأ من العقل وتحديداً من عقول الأطفال والمراهقين، فهي تدرك أن الأجيال الصغيرة أكثر قابلية لتلقي الأفكار وتطبيعها ولذلك تسعى إلى إحاطة الفرد منذ سنواته الأولى بمنظومة من الشعارات والرموز والطقوس التي تجعل الولاء للجماعة يبدو امتداداً طبيعياً للهوية الدينية، وفي المجتمعات التي أنهكتها الحروب وضعفت فيها مؤسسات الدولة والتعليم تصبح هذه الأدوات أكثر تأثيراً لأنها تملأ الفراغ الفكري وتعيد تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم المشروع الأيديولوجي للجماعة، كما قامت به مليشيا الحوثي بالضبط في مناطق سيطرتها.
وتدرك هذه الجماعات العقائدية أن السيطرة على الأرض لا تدوم ما لم تسبقها سيطرة على العقول ولذلك تجعل من الأطفال والمراهقين هدفاً رئيسياً لمشاريعها التعبويه، فالأجيال الصغيرة لا تُستقطب بالقوة وحدها بل عبر صناعة منظومة من المناسبات والشعارات والطقوس التي تُقدم بوصفها جزءاً من الهوية الدينية بينما تُستخدم في الواقع لترسيخ الولاء للجماعة وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها الخاصة.
في اليمن حيث يعيش المجتمع واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث برزت ظاهرة التوسع في إحياء مناسبات ذات بعد عقائدي وسياسي تحت رعاية جماعة الحوثي مع إعطائها مساحة واسعة في المدارس ووسائل الإعلام والفعاليات العامة ومن الملاحظ أن هذه المناسبات لم تعد مجرد فعاليات دينية أو ثقافية بل أصبحت جزءاً من عملية بناء هوية سياسية مرتبطة بالجماعة نفسها.
يأتي ما يُطلق عليه بـ"يوم الولاية" في مقدمة هذه المناسبات إذ يُقدم بوصفه حدثاً محورياً يحمل دلالات تتجاوز الجانب الديني إلى البعد السياسي والاجتماعي حيث تُنظم له احتفالات واسعة وتُرفع فيه الشعارات وتُلقى الخطب التي تؤكد على مفاهيم الطاعة والولاء والاصطفاء، وبغض النظر عن الاختلافات المذهبية أو التفسيرات التاريخية لهذا الحدث فإن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى وسيلة لغرس قناعات سياسية في عقول الأطفال والمراهقين بحيث يصبح الانتماء للفكرة مساوياً للانتماء للدين ويغدو الاختلاف معها نوعاً من التمرد على المقدس.
لا يتوقف الأمر عند هذه المناسبة وحدها بل يمتد إلى سلسلة من الأيام والفعاليات التي يتم إحياؤها بصورة دورية وتحظى بحضور إجباري إعلامي وتربوي مكثف، بحيث تتحول إلى محطات متكررة لإعادة إنتاج الخطاب الأيديولوجي، فالطفل الذي يحضر هذه الفعاليات عاماً بعد آخر ويستمع إلى الرسائل ذاتها في المدرسة والحي ووسائل الإعلام، يبدأ تدريجياً في تبني رؤية أحادية للعالم تقوم على وجود جماعة تمتلك الحقيقة الكاملة وأعداء يقفون في مواجهتها.
تكمن خطورة هذه الأساليب الاحتفالية في أنها لا تعتمد على الإقناع العقلي بقدر ما تعتمد على التكرار والرمزية والعاطفة فالطفل لا يناقش الأفكار المجردة كما يفعل الكبار بل يتأثر بالمشهد والاحتفال والإنشاد والشعارات والقصص التي تُروى له بصورة مستمرة ومع مرور الوقت تتحول هذه العناصر إلى جزء من ذاكرته النفسية والاجتماعية ويصبح من الصعب عليه الفصل بين إيمانه الديني الطبيعي وبين الانتماء السياسي الذي جرى تقديمه له على أنه امتداد لذلك الإيمان.
والملاحظ أن أي جماعة ذات الطابع أيديولوجي مغلق تستثمر دائماً وبشكل كبير في الأجيال الصغيرة، السبب لأنها تدرك أن بناء القناعة منذ الطفولة أكثر فاعلية من محاولة تغيير قناعات البالغين، ولهذا تركز هذه الجماعات على المدارس والمخيمات الصيفية والأنشطة الثقافية والاحتفالات العامة حيث يمكن الوصول إلى الأطفال في بيئة تبدو اجتماعية أو دينية بينما تحمل في جوهرها أهدافاً سياسية وتنظيمية خطيرة.
سيسيولوجيا المجتمع اليمني لديه تنوع مذهبي وثقافي وقبلي، لكنه لم يكن عبر تاريخه الطويل قائماً على هذا الكم من المناسبات ذات الطابع التعبوي، فقد عاش اليمنيون قروناً طويلة وهم يحتفلون بأعيادهم الدينية والاجتماعية المعروفة دون أن تتحول هذه المناسبات إلى أدوات لفرز المجتمع أو إعادة تشكيل هويته السياسية، أما اليوم فإن كثيراً من الأسر تجد نفسها أمام واقع جديد تُفرض فيه على أبنائها فعاليات وخطابات لا تملك دائماً حرية تجنبها أو الاعتراض عليها.
إن القضية هنا ليست في حق أي جماعة في الاحتفاء بما تؤمن به فهذا جزء من حرية المعتقد والتعبير وإنما في استخدام المؤسسات التعليمية والمجال العام لإعادة صياغة وعي الأطفال والمراهقين وفق رؤية سياسية واحدة وإضفاء هالة دينية عليها تجعل مناقشتها أو نقدها أمراً بالغ الحساسية.
ما اردت إيصاله في هذا المقال إن مستقبل اليمن لن يُبنى عبر صناعة أجيال تنظر إلى المجتمع من زاوية الانقسام والاصطفاف بل عبر ترسيخ قيم المواطنة والعلم والتفكير النقدي واحترام التعددية، فالطفل اليمني يحتاج إلى مدرسة تعلمه كيف يفكر لا ماذا يفكر، ويحتاج إلى بيئة تزرع فيه حب وطنه قبل أي ولاء آخر، لأن الأوطان التي تُبنى على وعي أبنائها تبقى أما الأوطان التي تُبنى على التعبئة والانغلاق فتظل أسيرة دوائر الصراع جيلاً بعد جيل.
>
