حسين الوادعيحسين الوادعي

الثورة في المجتمع الجاهل عبث..!!

مقالات

2020-09-26 09:00:03

خدعوك فقالوا: "الثائر لأجل مجتمع جاهل، كشخص أضرم النيران بجسده، كي يضيء الطريق لشخص ضرير"!

عبارة شائعة جدا، تكاد تتحول إلى مأثور سياسي.

تنسب أحيانا لرشيد رضا مع أنها غريبة على قاموسه، وتنسب أحيانا أخرى لجيفارا مع أنها مناقضة لفكره ومسيرته الثورية.

والسياق الذي اخترع لترويج هذه العبارة هو التالي:

"بعد القبض على جيفارا في مخبئه الأخير بوشاية من راعي أغنام، سأل أحدهم الراعي الفقير:

- لماذا وشيت عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟

فأجاب: كانت حروبه مع الجنود تروع أغنامي.

ونتيجة لذلك يقول السائل، أو يقول جيفارا "الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران في جسده كي ينير الطريق لشخص ضرير!".

لنعيد التفكير في العبارة بعقل نقدي..

مضمون العبارة واضح لكن نتيجته غريبة. 

فإذا كان الثائر لأجل مجتمع جاهل كمن يحرق جسده ليضيء لرجل أعمى فالنتيجة المنطقية أن الثورة لا تصلح في المجتمعات الجاهلة، وأن على الثوار التوقف عن تثوير المجتمعات الجاهلة لأن النتجية عبثية.

إذا، هذا يقودنا الى خيارين هما:

- إما ان نتوقف عن الثورة تماما ونلغيها من قائمة الوسائل الإنسانية للتغيير.

- أو أن لا نقوم بها الا في المجتمعات الواعية!

فإذا مضينا في الخيار الأول فإننا نحكم على المجتمع المتخلف والجاهل أن يظل جاهلا إلى الأبد. 

ولا أحد سيكون سعيداً بهذه النتيجة أكثر من الأنظمة الديكتاتورية التي تمسك لجام "رعاياها" المقهورين بسناري الجهل والفقر. 

أما الخيار الثاني فهو متناقض ذاتيا فأشد المجتمعات حاجة إلى الثورة هي المجتمعات الجاهلة، فمع الجهل يتواجد الفقر والمرض والتخلف.

لكن تناقضات العبارة تتجاوز هذا الجانب الجدلي إلى غموض صورة الثورة نفسها عند مروجي هذه العبارة الشائعة.

فالثورة تبدو هنا نشاطا فوقيا معزولا عن المجتمع لا دخل للمجتمع فيه.

أما الثوري في هذا التصور فهو شخص منفصل عن المجتمع ومتعال عليه، لا يتحدث إليه، ولا يقنعه، ولا يغير وعيه كي يتقبل الثورة.

لكن الثورة الحقيقية لا تتم إلا من خلال الناس.

ولو عدنا للقصة فإنها، إن صدقت، إدانة لجيفارا وليست إدانة لراعي الغنم. 

فلو قام جيفارا بتثقيف الراعي وتحاور معه وشرح له ضرورة الثورة وأهميتها في تغيير حياته وتطويرها للأفضل لما وشى به الراعي.

لكن لأن "جيفارا" في القصة تجاهل الراعي (وهو هنا يرمز للمجتمع الجاهل) وتعالى عليه كانت نهايته على يده. 

وهذه من وجهة نظري نهاية طبيعية لأي ثائر يتعالى على المجتمع.

لكن جيفارا الحقيقي (وليس جيفارا القصة المختلقة) كان يختلط بالناس ويحاورهم ويلهمهم للالتحاق بالثورة.

ومقتله التراجيدي لم يكن بسبب وشاية المجتمع، ولكن كان بسبب مثاليته المفرطة وعدم تقديره لقوة خصمه وإمكانياته.

في هذه العبارة والقصة الملحقة بها يتحول المجتمع الجاهل من ضحية إلى مجرم، وهذه أبرز أساليب الديكتاتوريات مواجهة التغيير والحفاظ على الواقع المرفوض. 

فالمجتمع الجاهل، في السردية الاستبدادية، غير جاهز بعد للتعلم او التغيير حتى لو أراد. 

ويأتي الخطاب الديني ليؤكد ذلك مدعيا أن الفقر والمرض والمجاعة عقاب من الله للناس بسبب ذنوبهم ومعاصيهم. 

يصبح المجتمع مسؤولا عن جهله وفقره وليس الديكتاتور او النخبة الفاسدة.

لكن مفهوم "الجهل" في هذه العبارة مراوغ.. فما المقصود بالجهل؟

إذا كان المقصود بالجهل (القراءة والكتابة) فهذا مرادف للأمية وليس للجهل.. وشتان ما بين مفهومي الأمية والجهل.

فالرجل الأمي قد يكون رجلا واعيا ومثقفا (بالمعنى الغرامشي لكلمة مثقف) ويملك وعيا اجتماعيا وسياسيا متقدما.

 والمطلوب في المجتمع الجاهل ليس تعليم الأمي القراءة ولكن توعيته وشرح اهميته مشاركته فيها أو على الاقل عدم الوقوف ضدها.

وإذا أصر الإنسان "الأمي أو الجاهل" أنك خطر عليه وعلى استقراره فهي غلطتك لأنك لم تساعده على فهم الواقع ومعرفة الاسباب الحقيقية لفقره وجهله ومرضه.

وفي غمرة الوعي الزائف الذي يسيطر عليه سيعتبرك عدوه وسيعتبر الديكتاتور صديقه ومنقذه.

في عالم ثورة وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي أجزم وأقول إنه لم يعد هناك إنسان "جاهل".

فحتى الأمي يتابع أخبار العالم وقضاياه ويحللها ويحاول فهمها وتقدير تأثيرها على حياته. 

وصار أمام الثائر منصات حرة ومجانية ومتعددة لمخاطبة المواطن وحشده وكسبه. 

لم تعد المشكلة هي "الجهل" وانما "الوعي الزائف".

والفرق بينهما أن الجهل حالة سلبية (خواء في العقل) وغياب للمفاهيم والمهارات التي من خلالها يمكن فهم العالم. 

أما الوعي الزائف فهو افكار وقناعات خاطئة تقود المواطن في الطريق الخاطئ وتكرس تخلفه وفقره وقهره. 

ومن نماذج الوعي الزائف هذه العبارة التي ترى ان الثورة في المجتمع الجاهل عبث. فهي تقود المواطن والثائر معا في طريق خاطئ يقود الى شرعنة الاستبداد وتأبيد المستبد، وتصوير الوضع القائم: انه قدر لا فكاك منه.

لدينا صيغة يمنية لنفس العبارة يقال انها جاءت على لسان الثائر الثلايا: "لعن الله شعباً أردت له الحياة فأراد لي الموت". 

ويقال إنه قالها في ساحة الإعدام عندما كان الجمهور يهتف داعيا السجان ان ينفذ حكم الاعدام فيه. 

ومع أني أشك في هذه العبارة واعتبرها اسطورة من اساطير السياسة اليمنية الحديثة إلا أنها لو صحت فإن الخطأ لم يكن في الشعب بل في الثائر.

أريد أن أختم هذا المقال بتوضيح حول مفهومي للثورة.

الثورة ليست فقط ذلك الفعل العنيف على ظهر الدبابات لإسقاط نظام الحكم.

صار العالم اليوم يتحدث عن ثورات التغيير الديمقراطي وثورات الاتصالات والمواصلات وثورات العلوم والمعرفة والإنتاج. 

صار العالم يفجر ثورات في الفكر والعلاقات الاجتماعية والدين والمجتمع، وهذه هي الثورات التي أدافع عنها في هذا المقال.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->