من "ستوكهولم" إلى انتهاء بعثة أونمها.. الحديدة أمام معركة التحرير عقب التهديدات الحوثية

السياسية - Wednesday 01 April 2026 الساعة 10:35 pm
الحديدة، نيوزيمن:

شكّل اتفاق ستوكهولم، الموقع أواخر عام 2018، نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب اليمنية، إذ أوقف حينها معركة تحرير مدينة وميناء الحديدة في لحظة كانت فيها القوات المشتركة على مشارف الحسم. 

ورغم ما رُوّج له باعتباره خطوة إنسانية لتجنيب المدينة ويلات القتال، يرى كثير من المراقبين أن الاتفاق منح ميليشيا الحوثي فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، وأبقى على سيطرتها على واحد من أهم الموانئ الاستراتيجية في البلاد. 

اليوم، وبعد انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس 2026، وعودة التهديدات الحوثية للملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، تعود التساؤلات بقوة: هل نشهد نهاية مرحلة "تجميد الحديدة" وبداية معركة استعادتها؟

سقوط آخر مظلات التهدئة

وجاء قرار إنهاء مهمة البعثة الأممية في الحديدة ليعكس واقعًا جديدًا، عنوانه تآكل مسارات التهدئة وفشل الجهود الدولية في تثبيت اتفاق ستوكهولم على الأرض. فالبعثة، التي أُنشئت لمراقبة وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات، لم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي، في ظل اتهامات متكررة للحوثيين بعدم الالتزام ببنود الاتفاق.

ومع مغادرة البعثة، يفقد الساحل الغربي أحد أهم أدوات الضبط الدولية، ما يفتح الباب أمام عودة المواجهات العسكرية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف من استخدام الحديدة كمنصة لتهديد الملاحة الدولية.

ومع مرور الشهر الأول من المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أعلنت جماعة الحوثي انخراطها المباشر في الصراع عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة تعكس عمق ارتباطها بالمحور الإيراني، خصوصًا الحرس الثوري الإيراني.

هذا التطور، وإن لم يكن مفاجئًا، إلا أنه يحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ ينقل الجماعة من لاعب محلي إلى طرف منخرط في صراع إقليمي أوسع، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع قوى دولية، ويعيد تعريف موقعها في معادلة الصراع داخل اليمن.

ويرى مراقبون أن هذا الانخراط قد يُسرّع من إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف العمليات العسكرية، خصوصًا في الساحل الغربي، باعتباره أحد أهم مفاتيح الضغط على الحوثيين.

الحديدة.. من ورقة تفاوض إلى تهديد عالمي

تحولت مدينة وميناء الحديدة، خلال السنوات الماضية، من ورقة تفاوض سياسية إلى نقطة تهديد حقيقية للملاحة الدولية، مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وتزايدت المخاوف مؤخرًا من احتمال إقدام الجماعة على إغلاق مضيق باب المندب، في سيناريو يعكس امتدادًا لتحركات طهران في مضيق هرمز.

في هذا السياق، حذّرت المهمة الأوروبية "أسبيدس" من مخاطر استهداف السفن، داعية إلى توخي الحذر، ما يعكس حجم القلق الدولي من تحول الساحل اليمني إلى بؤرة تهديد دائمة لحركة التجارة العالمية.

ويرى عدد من الخبراء أن انتهاء مهمة أونمها، بالتزامن مع التصعيد الإقليمي، يفتح الباب أمام عودة خيار الحسم العسكري. ويقول الباحث العسكري عدنان الجبرني إن "جميع الاحتمالات باتت مفتوحة"، مشيرًا إلى أن انخراط الحوثيين في صراع إقليمي سيجلب عليهم ضغوطًا مضاعفة داخليًا وخارجيًا.

من جانبه، يرى الباحث مروان نعمان أن "الأوان قد حان لتحرير الحديدة"، خاصة في ظل الدعوات لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر. ويؤكد أن التطورات الأخيرة تجعل من استعادة المدينة ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار عسكري.

كما يعتبر الكاتب السياسي همدان العليي أن "انتهاء اتفاق ستوكهولم يمثل فرصة حقيقية لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة"، مؤكدًا أن أي عملية عسكرية هناك ستسهم في تأمين باب المندب والحد من الهجمات الحوثية.

التوقيت.. العقدة الأهم

ورغم هذه المؤشرات، يظل توقيت أي عملية عسكرية محل نقاش. فبحسب المحلل عبد الله إسماعيل، فإن معركة تحرير الحديدة "قادمة لا محالة"، لكن تحديد موعدها يخضع لحسابات معقدة، تتعلق بالجاهزية العسكرية، وتوحيد الجبهات، وضمان عدم استفادة الحوثيين من أي تحركات مبكرة.

ويضيف أن هناك متغيرات داخلية قد تلعب دورًا حاسمًا، من بينها احتمالات تصاعد السخط الشعبي داخل مناطق سيطرة الحوثيين، ما قد يخلق بيئة مهيأة لتحولات ميدانية مفاجئة.

وعلى الصعيد العسكري، تشير تقديرات إلى أن الساحل الغربي قد يتحول قريبًا إلى ساحة مواجهة مفتوحة. ويؤكد العقيد محمد جابر أن المعطيات الحالية "تشير إلى معركة كسر عظم"، لافتًا إلى أن الحوثيين كثفوا تحشيدهم العسكري منذ مطلع 2026، بهدف تحويل الساحل إلى منصة صاروخية تخدم الأجندة الإيرانية.

كما أشار إلى أن التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية، بدعم من التحالف، تعكس وجود ترتيبات لتوحيد الجبهات والاستعداد لسيناريو استعادة الموانئ، في مقدمتها الحديدة.

ويقف ملف الحديدة اليوم عند نقطة تحول تاريخية، مع تلاشي القيود التي فرضها اتفاق ستوكهولم، وتصاعد التهديدات للملاحة الدولية، وانخراط الحوثيين في صراع إقليمي مفتوح. وبينما يرى البعض أن هذه التطورات تمثل فرصة نادرة لحسم المعركة واستعادة أحد أهم مفاصل الدولة، يحذر آخرون من مخاطر التصعيد غير المحسوب.

لكن المؤكد أن الحديدة لم تعد مجرد مدينة ساحلية، بل أصبحت عقدة استراتيجية تتقاطع عندها حسابات الداخل اليمني مع توازنات الإقليم والعالم، ما يجعل أي تحرك نحوها قرارًا يتجاوز حدود الجغرافيا، ليشكل ملامح المرحلة القادمة في اليمن والمنطقة بأكملها.