تحويلات المغتربين تنعش "اقتصاد البقاء" في اليمن وسط أزمة ممتدة

السياسية - منذ ساعة و 38 دقيقة
لندن، نيوزيمن، ترجمة:

يبرز ملف التحويلات المالية القادمة من الخارج كأحد أهم الأعمدة الداعمة للأسر اليمنية، في وقت يشهد فيه البلد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية المرتبطة بالصراع الممتد منذ سنوات.

تقرير اقتصادي حديث صادر عن مركز النمو الدولي في لندن، قدّم قراءة معمقة لدور التحويلات المالية في اليمن، باعتبارها المصدر الأكبر والأكثر استقرارًا للتمويل الخارجي، وسط استمرار الحرب وتراجع الحوكمة والانقسام المالي بين سلطات متعددة.

وأوضح التقرير أن اليمن أصبح يعتمد بشكل متزايد على التحويلات المالية القادمة من المغتربين، باعتبارها بديلًا شبه رئيسي لعائدات النفط التي انهارت بعد اندلاع الحرب عام 2015، حيث كانت تلك العائدات قبل الصراع تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار سنويًا، قبل أن تتراجع بشكل حاد مع توقف الإنتاج وتدهور الصادرات.

وبحسب التقرير، فإن تدفقات التحويلات الرسمية إلى اليمن تُقدّر بما بين 4 و6 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تشير التقديرات إلى أن التحويلات غير الرسمية عبر شبكات “الحوالة” قد ترفع إجمالي التدفقات إلى نحو 10 مليارات دولار، وهو ما يجعلها المصدر المالي الخارجي الأكبر للأسر اليمنية، متقدمة على المساعدات الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر.

اقتصاد يعتمد على البقاء لا النمو

ورغم هذا الحجم الكبير، يشير التقرير إلى أن هذه الأموال لا تُترجم غالبًا إلى استثمارات إنتاجية، بل تُستخدم بشكل أساسي في تغطية الاحتياجات المعيشية اليومية، حيث يُنفق نحو 75% من التحويلات على الغذاء والإيجار والرعاية الصحية والتعليم الأساسي، وهو ما يعكس عمق الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها الأسر، بما في ذلك التضخم المرتفع وانهيار العملة وصعوبة الوصول إلى الخدمات المالية.

ويرى التقرير أن هذا النمط من الإنفاق لا يعكس سلوكًا اقتصاديًا اختياريًا بقدر ما يعكس قيودًا هيكلية صارمة، إذ لا تتيح البيئة الاقتصادية الحالية في اليمن فرصًا حقيقية للادخار أو الاستثمار، في ظل غياب الاستقرار النقدي وضعف القطاع المصرفي وارتفاع المخاطر.

ويضيف أن الاقتصاد اليمني في وضع “اقتصاد بقاء” أكثر منه اقتصاد نمو، حيث تُستخدم التدفقات المالية الخارجية لإبقاء الأسر عند الحد الأدنى من الاستقرار، بدلًا من دفع عجلة الإنتاج أو خلق فرص عمل جديدة.

ويتوقف التقرير عند أحد أهم العوامل المؤثرة في مسار التحويلات، وهو الانقسام المؤسسي في النظام المالي اليمني، بعد أن انقسم البنك المركزي عام 2016 إلى إدارتين متوازيتين في عدن وصنعاء، ما أدى إلى ازدواجية في السياسة النقدية وتعدد أسعار الصرف وتضارب اللوائح المنظمة للقطاع المصرفي.

هذا الانقسام، بحسب التقرير، ساهم في تآكل الثقة في النظام المصرفي الرسمي، ودفع شريحة واسعة من المواطنين والمغتربين إلى الاعتماد على القنوات غير الرسمية، وعلى رأسها شبكات “الحوالة” التي أصبحت العمود الفقري لتحويل الأموال داخل اليمن وخارجه.

ضغوط خارجية وتعقيدات مصرفية

كما يشير التقرير إلى أن القيود الدولية المرتبطة بالعقوبات ولوائح مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أدت إلى تقليص العلاقات المصرفية بين البنوك اليمنية والبنوك العالمية، ما حدّ من قنوات التحويل الرسمية، ورفع الاعتماد على الوسائل البديلة.

ورغم هذه التحديات، يلفت التقرير إلى مفارقة لافتة، إذ تُعد اليمن من بين الدول الأقل تكلفة عالميًا في استقبال التحويلات، حيث يبلغ متوسط تكلفة تحويل 200 دولار نحو 3.74%، وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ 6.62%، مع تسجيل ممر السعودية–اليمن كأحد أكثر المسارات كفاءة من حيث التكلفة.

ويرى مركز النمو الدولي أن تعظيم الاستفادة من التحويلات يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، تبدأ بإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي الرسمي، وتوسيع البنية التحتية الرقمية، وتسهيل فتح الحسابات المصرفية، وتبسيط إجراءات “اعرف عميلك”، إلى جانب دعم المحافظ الإلكترونية والخدمات المالية عبر الهاتف المحمول.

كما يدعو التقرير إلى إنشاء صناديق استثمارية موجهة للمغتربين، لتحويل جزء من التحويلات إلى استثمارات في المشاريع الصغيرة والمتوسطة والبنية التحتية، بدلًا من حصرها في الاستهلاك، إضافة إلى تعزيز الثقافة المالية لدى الأسر اليمنية لرفع كفاءة إدارة هذه الموارد.

وخلص التقرير إلى أن التحويلات المالية تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي في اليمن، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تُحدث تحولًا اقتصاديًا بمفردها، ما لم تُدمج ضمن إصلاحات أوسع تعالج الانقسام المالي وتعيد بناء المؤسسات وتخلق بيئة إنتاجية حقيقية.

وبحسب التقرير، فإن مستقبل الاقتصاد اليمني سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تحويل هذه التدفقات من مجرد “شبكة أمان اجتماعي” إلى رافعة تنموية قادرة على دعم التعافي الاقتصادي على المدى الطويل، في بلد ما يزال يعاني من تداعيات حرب ممتدة وتفكك مؤسسي واسع.