إيران في "برزخ" السلطة.. غياب المرشد وصراع الأجنحة على أنقاض النظام

السياسية - منذ ساعة و 36 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

يكشف المشهد الداخلي في إيران عن تحولات عميقة تتجاوز مجرد التباينات السياسية المعتادة، لتصل إلى مستوى صراع مراكز القوى داخل المؤسسة الأكثر نفوذًا في البلاد، الحرس الثوري. 

هذا التنافس لا يعكس فقط خلافات تكتيكية حول إدارة المرحلة، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل بنية النظام ذاته، وقدرته على الحفاظ على تماسكه في ظل الضغوط العسكرية والسياسية. وفي الوقت الذي تحاول فيه طهران إرسال إشارات متناقضة إلى الخارج بين الانفتاح والتصعيد، يبدو أن هذه الازدواجية ليست استراتيجية محسوبة بقدر ما هي انعكاس مباشر لانقسام داخلي متفاقم.

في هذا السياق، كشف تحليل حديث نشره منتدى الشرق الأوسط، أعدّه الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب عرفان فرد، عن احتدام التنافس بين فصائل الحرس الثوري، بالتزامن مع حالة غموض غير مسبوقة تحيط بهرم القيادة الإيرانية.

وبحسب التحليل، فإن تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران أدت إلى إزاحة عدد كبير من قيادات الصف الأول في الجمهورية الإسلامية خلال وقت مبكر من الصراع، بينما لا يزال المرشد الأعلى مجتبى خامنئي غائبًا عن الأنظار، وسط شكوك بشأن وضعه الفعلي، وهو ما فتح الباب أمام صراع نفوذ متسارع داخل مؤسسات الدولة.

ورغم إجماع معظم التقديرات على أن الحرس الثوري بات الجهة المهيمنة على القرار، إلا أن هذه المؤسسة ليست كتلة واحدة، بل تتكون من شبكات متنافسة تسعى كل منها لترسيخ نفوذها في مرحلة توصف بأنها انتقالية.

ويبرز في هذا الإطار ثلاثة فصائل رئيسية، الفصيل الأول، بقيادة محمد باقر قاليباف، الذي يمثل تيارًا براغماتيًا يتحرك بين المؤسسات الرسمية والأمنية. ويُقدّم نفسه كقناة تواصل محتملة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مستندًا إلى قدرته على تحويل التوجهات الأمنية إلى سياسات تنفيذية وتشريعية. 

فيما الفصيل الثاني، المرتبط بـ محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يركز على أدوات الضبط الداخلي، ويعتمد على النفوذ داخل الأجهزة القضائية والأمنية، مع تفضيل واضح لسياسة الاحتواء ومنع الانفلات الداخلي. أما الفصيل الثالث، الذي يضم شخصيات مثل أحمد وحيدي وعلي فدوي، فيتبنى مقاربة أكثر تشددًا، تركز على البعد العسكري والتوسع الإقليمي، ويُعد الأكثر ميلاً للتصعيد في السياسة الخارجية.

في المقابل، لا تزال المؤسسة الدينية في قم تؤدي دورًا في منح الشرعية، إلا أن تأثيرها الفعلي يتراجع لصالح صعود الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ويؤكد التحليل أن غياب السردية الموحدة بات واضحًا في الخطاب الرسمي، حيث تتباين التصريحات بشكل لافت بين أقطاب النظام. ففي الوقت الذي ينخرط فيه قاليباف في مسار تفاوضي، يواصل متشددون مثل سعيد جليلي ومحسن رضائي الترويج لنهج تصادمي ورفض أي انفتاح على واشنطن.

ولا يقتصر التباين على التصريحات السياسية، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة، حيث تظهر اللجان البرلمانية مواقف متباينة، كما لا تتطابق رسائل وزارة الخارجية مع الخط التحريري لصحيفة كيهان، ما يعكس غياب التنسيق وتعدد مراكز القرار.

ويرجح التحليل أن هذا التنافس مرشح للتصاعد، مدفوعًا بحالة عدم اليقين بشأن مستقبل القيادة العليا، حيث تسعى كل كتلة إلى تعزيز موقعها تحسبًا لأي انتقال مفاجئ في السلطة. وقد يتجلى ذلك في صراعات مؤسسية، أو محاولات لإقصاء المنافسين، أو حتى استخدام أدوات الإعلام لتشكيل الرأي العام الداخلي.

وفي هذا الإطار، تبرز السيطرة على وسائل الإعلام كأحد أهم أدوات النفوذ، إذ يُستخدم الخطاب المتشدد أحيانًا كوسيلة لتعزيز الشرعية داخل القاعدة المؤيدة، وليس فقط كرسالة للخارج.

بالنسبة للولايات المتحدة، يضع هذا الواقع المعقد صناع القرار أمام معضلة حقيقية، إذ يجعل من الصعب تحديد الشريك الفعلي القادر على الالتزام بأي تفاهمات. كما أن تعدد مراكز القوى يزيد من احتمالات سوء التقدير، خاصة في ظل وجود فصائل قد تعمل على تقويض أي مسار دبلوماسي عبر التصعيد أو التحركات غير المنسقة.

ويشير التحليل إلى أن التحدي لا يكمن فقط في التعامل مع إيران كدولة، بل في فهم شبكة القوى الداخلية التي تحكمها، والتي باتت اليوم أكثر تشرذمًا وأقل قابلية للضبط، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.