تحرك حقوقي دولي لإحياء ملف تفجير مسجد الرئاسة بصنعاء وملاحقة المتورطين

السياسية - منذ ساعتان و 4 دقائق
واشنطن، نيوزيمن:

بعد أكثر من عقد على واحدة من أكثر الحوادث دموية وتأثيرًا في مسار الدولة اليمنية، يعود ملف تفجير مسجد دار الرئاسة إلى الواجهة الدولية، عبر تحرك حقوقي تقوده منظمات أمريكية ودولية تسعى لإعادة صياغة الرواية القانونية والسياسية للجريمة. 

ويأتي هذا التطور في لحظة تشهد إعادة تقييم دولية للصراع اليمني، حيث لم تعد القضايا المرتبطة بالمساءلة والعدالة الانتقالية مجرد ملفات مؤجلة، بل تحولت إلى أدوات ضغط قد تعيد تشكيل المشهد السياسي برمّته.

كشفت مصادر أن تحالفًا يضم منظمات حقوقية أمريكية ودولية، إلى جانب ناشطين سياسيين عرب في واشنطن العاصمة ونيويورك، يستعد لإصدار تقرير شامل يُعد الأول من نوعه داخل الأوساط الأمريكية حول حادثة تفجير مسجد دار الرئاسة في 3 يونيو 2011.

ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن التقرير خلال مؤتمر صحفي نهاية الأسبوع، حيث سيقدم وثيقة متكاملة تتضمن تحليلاً قانونيًا للأدلة، وتفكيكًا لمسار الأحداث، بالإضافة إلى قراءة معمقة لخلفيات الجريمة وسياقها السياسي.

تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تعيد توصيف الحادثة ضمن الإطار القانوني الدولي، مستندة إلى إدانة مجلس الأمن الدولي لها في القرار رقم 2014 لعام 2011، والذي وصفها بأنها "جريمة إرهابية" وطالب بمحاسبة المتورطين. ويشير هذا التوصيف إلى إمكانية البناء عليه قانونيًا لفتح مسارات تحقيق دولية أو وطنية، خاصة في الدول التي تتيح قوانينها ملاحقة الجرائم ذات الطابع الإرهابي أو التي تمس مواطنيها.

وبحسب المعلومات، لن يقتصر التقرير على توثيق الحادثة، بل سيتوسع في تحليل دور الجماعات الدينية المسلحة خلال تلك المرحلة، وطبيعة ارتباطاتها الإقليمية، والدوافع السياسية التي قادت إلى تنفيذ العملية. كما يتناول التقرير تأثير هذه الجريمة على تفكك مؤسسات الدولة اليمنية، باعتبارها نقطة مفصلية ساهمت في تسريع الانهيار المؤسسي، وفتحت الباب أمام تصاعد الصراع الداخلي، وما تبعه من تدخلات إقليمية ودولية.

ويأتي إصدار التقرير في توقيت لافت، يتزامن مع نقاشات داخل وزارة الخارجية الأمريكية بشأن تصنيف بعض الجماعات اليمنية المرتبطة بالإسلام السياسي، ومن بينها حزب التجمع اليمني للإصلاح، ضمن قوائم الإرهاب. ويرى مراقبون أن هذا التزامن قد يمنح التقرير وزنًا سياسيًا إضافيًا، خصوصًا إذا ما تم استخدامه كمرجع في تقييم أدوار تلك الجماعات في النزاع اليمني.

ومن المتوقع أن يطرح التقرير حزمة من التوصيات، أبرزها إدراج الجهات والدول المتورطة في الجريمة ضمن قوائم الإرهاب، وفتح تحقيق قضائي داخل الولايات المتحدة، استنادًا إلى وجود ضحايا أو مصابين يحملون الجنسية الأمريكية، وملاحقة المسؤولين عن التخطيط والتنفيذ والدعم، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي استمرت لسنوات. هذه التوصيات، في حال تبنيها، قد تفتح الباب أمام تحركات قانونية غير مسبوقة، تشمل فرض عقوبات أو إصدار مذكرات توقيف بحق متورطين محتملين.

ويمتد تأثير التقرير المحتمل إلى الداخل اليمني، حيث قد يعيد فتح ملفات قديمة تتعلق بمسؤولية الأطراف المختلفة عن الأحداث التي شهدتها البلاد خلال مرحلة 2011 وما بعدها. كما قد يسهم في إعادة تشكيل السرديات السياسية حول تلك المرحلة، ويؤثر على توازنات القوى، خصوصًا في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر مسار التسوية.

ولا يقتصر تأثير التقرير على اليمن فقط، بل يمتد إلى الإقليم، حيث قد يسلط الضوء على طبيعة التداخلات الإقليمية في الصراع، ويعيد طرح أسئلة حول دور بعض الأطراف في تغذية النزاعات. كما قد يشكل أداة ضغط في سياق العلاقات الدولية، خاصة إذا تم ربط نتائجه بملفات أوسع تتعلق بمكافحة الإرهاب أو إعادة ترتيب التحالفات في المنطقة.

وتؤكد المصادر أن التقرير المرتقب يُنظر إليه كمرجع مهم لصناع القرار في واشنطن والمجتمع الدولي، وخطوة أولى نحو إعادة إحياء ملف العدالة في اليمن. وفي ظل غياب مسار واضح للمساءلة خلال السنوات الماضية، قد يمثل هذا التحرك بداية مسار جديد يسعى إلى كشف الحقيقة، وتحقيق قدر من العدالة، بما يساهم في دعم الاستقرار ومنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل.

وتُعد حادثة تفجير مسجد دار الرئاسة في صنعاء واحدة من أخطر المحطات المفصلية في تاريخ اليمن الحديث، إذ وقعت في الثالث من يونيو/حزيران 2011، في ذروة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت ضمن موجة ما يسمى ثورات الربيع العربي، والتي طالبت حينها بإنهاء حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.

وخلال أداء صلاة الجمعة داخل مسجد دار الرئاسة، تعرّض المجمع الرئاسي لهجوم استهدف كبار قيادات الدولة، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من المسؤولين، بينهم قيادات سياسية وأمنية بارزة، إضافة إلى إصابة الرئيس صالح نفسه بجروح بالغة استدعت نقله إلى المملكة العربية السعودية لتلقي العلاج، في تطور شكل نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة السياسية آنذاك.

وفي أعقاب الهجوم، أدان مجلس الأمن الدولي العملية، واعتبرها عملاً إرهابيًا يهدد الاستقرار في اليمن، مطالبًا بإجراء تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عنها، وذلك ضمن القرار رقم 2014 الصادر في العام نفسه، والذي وضع إطارًا دوليًا للتعامل مع الأزمة اليمنية.

ورغم مرور سنوات على الحادثة، ظلت ملابساتها محل جدل واسع، في ظل غياب تحقيق قضائي شفاف يكشف كافة التفاصيل ويحدد المسؤوليات بشكل نهائي، ما جعلها واحدة من أبرز القضايا العالقة التي تعكس تعقيدات الصراع السياسي والأمني في اليمن.