حواجز الحرب في اليمن.. دراسة توثق تحول نقاط التفتيش إلى أدوات للجباية والابتزاز
السياسية - Friday 10 July 2026 الساعة 11:04 pm
عدن، نيوزيمن، خاص:
لم تعد نقاط التفتيش المنتشرة على الطرق الرئيسية في اليمن تؤدي وظائفها الأمنية التقليدية، بل تحولت خلال سنوات الحرب إلى منظومات مالية موازية تستنزف حركة التجارة وترفع أسعار السلع على ملايين اليمنيين، فيما تذهب عائداتها إلى تمويل أطراف الصراع وتعزيز نفوذها على حساب الاقتصاد الوطني والمواطنين.
هذا ما خلصت إليه دراسة بحثية حديثة أعدها الباحث اليمني إبراهيم جلال، والتي كشفت أن الشاحنات المحملة بالوقود والغذاء والأدوية تضطر إلى عبور عشرات نقاط التفتيش على الطرق الرئيسية، ودفع رسوم وجبايات متكررة لجهات عسكرية وأمنية وقبلية ومسلحة، ما يجعل تكلفة النقل ترتفع بصورة مباشرة قبل أن تُحمّل في نهاية المطاف على المستهلك.
وتحمل الدراسة، الصادرة ضمن سلسلة "حواجز الطرق والإيرادات"، رؤية تفصيلية لاقتصاد نقاط التفتيش في اليمن، مستندة إلى 32 مقابلة مع سائقي شاحنات وتجار ومسؤولين أمنيين وممثلين عن المجتمع المدني، لتقدم واحدة من أكثر الدراسات شمولاً حول كيفية تحول الممرات البرية إلى أدوات للجباية وتمويل الحرب.
وركزت الدراسة على الممر الحيوي الممتد من أبين – عدن – لحج – الضالع – ذمار، باعتباره الشريان الرئيسي الذي يربط موانئ الجنوب بالأسواق في المحافظات الوسطى والشمالية، موضحة أن هذا الطريق يخضع لمنظومتين مختلفتين لإدارة نقاط التفتيش، لكنهما تتفقان في النتيجة النهائية المتمثلة باستنزاف التجارة ورفع كلفة المعيشة على السكان.
وبحسب الدراسة، فإن المناطق الخاضعة اسماً للحكومة تعاني من انتشار واسع لنقاط التفتيش وتعدد الجهات القائمة عليها، حيث تتداخل السلطات العسكرية والأمنية المختلفة، وتفرض رسوماً متراكمة تفتقر إلى التنسيق والرقابة، ما خلق بيئة خصبة للجبايات العشوائية والابتزاز المالي.
وتشير الدراسة إلى أن بعض القادة الميدانيين كانوا ينشئون نقاط تفتيش بصورة منفردة لفرض رسوم جديدة، لتتحول الطرق إلى مصدر دخل مستقل للتشكيلات المسلحة.
ووفقاً لإفادات سائقي الشاحنات التي استندت إليها الدراسة، فإن الشاحنة الواحدة قد تضطر للمرور عبر أكثر من 45 نقطة تفتيش بين أبين وعدن ولحج والضالع، مع دفع مبالغ تتراوح بين 900 ألف وثلاثة ملايين ريال يمني خلال رحلة واحدة، بحسب نوع الحمولة وحجمها، وهي تكاليف تنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي يتحملها المواطن.
وفي المقابل، توضح الدراسة أن جماعة الحوثي أنشأت في مناطق سيطرتها منظومة أكثر مركزية ورقمنة، تعمل كجهاز ضرائب وجمارك موازٍ للدولة، يعتمد على أنظمة إلكترونية وسلاسل إدارية موحدة، مع توجيه الإيرادات بصورة مباشرة لدعم المجهود الحربي.
وأشارت الدراسة إلى أن الجماعة انتقلت منذ عام 2021 إلى استخدام أنظمة الباركود والدفع الإلكتروني، بما منحها احتكاراً أكبر لعمليات الجباية مع استمرار فرض رسوم مزدوجة على البضائع التي سبق أن دفعت رسومها في الموانئ الخاضعة للحكومة.
وتؤكد الورقة أن الاختلاف بين النظامين يقتصر على آليات التحصيل، بينما تبقى النتيجة واحدة؛ إذ يتحول الاقتصاد إلى مصدر دائم لتمويل الحرب، ويجد التجار أنفسهم أمام ضرائب ورسوم متكررة، في حين يدفع المواطن الثمن من خلال الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والوقود والدواء.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن الحوثيين يستخدمون نقاط التفتيش كوسيلة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد والسيطرة على الأسواق، عبر فرض رسوم إضافية ومنع دخول بعض السلع أو إجبار التجار على استخدام منافذ ومسارات محددة، بما يعزز قبضتهم الاقتصادية إلى جانب السيطرة الأمنية. كما لفتت إلى أن خبراء الأمم المتحدة سبق أن قدروا استحواذ الجماعة على نحو 70% من إجمالي الإيرادات الضريبية والجمركية في اليمن رغم سيطرتها على جزء من مساحة البلاد، مع توجيه نسبة كبيرة من تلك الموارد لتمويل الحرب وشبكات النفوذ.
ولم تقتصر آثار هذه المنظومات على التجارة، بل امتدت إلى العمل الإنساني، إذ حذر الباحث من أن المنظمات الإنسانية والجهات الدولية لم تولِ ديناميكيات نقاط التفتيش الاهتمام الكافي عند تصميم برامج الإغاثة وبناء السلام، الأمر الذي تسبب، بحسب الدراسة، في خسائر بشرية ومالية وأضعف كفاءة وصول المساعدات إلى المستفيدين.
ودعت الدراسة الحكومة اليمنية وشركاءها الدوليين إلى مراجعة قوانين الإيرادات التي يجري استغلالها في فرض الجبايات، والحد من الصلاحيات التقديرية لنقاط التفتيش، وتوحيد إجراءات النقل بين المحافظات، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، باعتبارها خطوات ضرورية لتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاع الخاص، والحد من توظيف الاقتصاد في إدامة الصراع.
وتأتي الدراسة ضمن مشروع TRACE المعني بدراسة التجارة والريع والسلطة في اقتصادات نقاط التفتيش بالمناطق المتأثرة بالنزاعات، وهو مشروع بحثي ممول من وزارة الخارجية والتنمية البريطانية وبرنامج XCEPT، ونُشرت ضمن سلسلة أوراق "حواجز الطرق والإيرادات" التي ينفذها المعهد الدنماركي للدراسات الدولية والمركز الدولي للضرائب والتنمية ومركز الجماعات المسلحة.
>
